[مهارات الحوار الفعال ] 3


[ أسباب الحوار و بواعثه ]

| الباعث الأول |

نموذج الحوار في القرآن الكريم و السنة النبوية ،
هو النموذج المنطقي الذي نستقي منه أسباب الحوار .

أمثلة لـ الحوار في القرآن و السنة :
| المثال الأول|
قصة الخليل إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة
[ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك]

و ذكر لنا أسلوب الحوار و الرد الرائع ، و الأدب الجم ،
و الحجة القوية ، و الوصول إلى إحقاق الحق ،
وإبطال الباطل في بضع آيات و قع الحيث عنها بين إبراهيم عليه السلام و هذا التمرود .

|المثال الثاني |
قصص حوار موسى عليه السلام مع فرعون ، و حواره مع قومه .
و منها الحوار الذي در بين موسى و فرعون لما قال [ و ما رب العالمين ] .
و تواصل الحوار حتى لجأ فرعون إلى حيلة العاجز و استعمال الأساليب التي تتخذ حين
يصل المحاور درجة العجز حيث قال [ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجنوين ]

فـ هنا لم تعد محاورة و إنما صارت صراع .
و جؤ بـ منطق غير علمي و لا منطقي و لا نافع لـ الأطراف التي قد تتخلف

|المثال الثالث|
قصة نوح عليه السلام لما قال له قومه [ يا نوح قد جادلتنا فأ كثرت حدالنا ] .
فـ المجادلة مشتقة من الجدل ، جدل الحبل أي فتله ،
و المراد أن المجادل يريد أن يجدل صاحبه و أن يتفل مجادلِه إلى رأيه ، و ليقنعه بـ فكره .

|المثال الرابع|
قصة الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه و سلم و معه غلام أسود و قال :
إن امرأتي جاءت بـ هذا الغلام الأسود ،

فـ هو كان في نفسه ريبة و كأنه يخشى أن يكون هذا الولد ليس منه ،
وليس فيه ، و لا في زوجته و لا بعض أهله من له هذا اللون ،

فأدار النبي عليه الصلاة و السلام حواراً جميلاً و مطيباً للحجة .
قال له النبي صلى الله عليه و سلم :

أليس لك إبل فقال بلى ، قالفما لونها ، قال : حمراء ، قال هل فيها من أورق ؟ قال نعم ،قال فمن أين جاء ؟ قال : لعله نزعه عرق ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم :
فلعله ، أي فلعل ابنك هذا نزعه عرق .

فـ ما دام الله جل و علا قد قص علينا و النبي صلى الله عليه و سلم قام بـ هذا الحوار
وأجراه بينه و بين الناس من معاند و مخالف و من موافق و مخالف ،
فـ لماذا لا نتعلم و ننتفع بـ هذا الحوار ؟ !

| الباعث الثاني |

الحوار بين الاستحباب و الفرض ، ذكر أهل العلم في حكم المناظرة أنه في كثير من الأحوال مستحبة .

|الباعث الثالث |

وجود الاختلاف في الآارء و في الطباع ، ,هذا أمر فطري بشري ،
و هذا من اعجاز الله تعالى في خلقه ،
فـ لاتجد انساناً يتطابق مع آخر في كل شيء

لكنك تجد حليماً متئداً ، و ذاك سريعاً منفعلاً ،
و نحد اختلافاً في التفكير ، و سعة الذاكرة ، ,توقد الذهن ، و في سرعة الفهم .

و هذا بالتالي ينتج عنه اختلاف ،
و ما دام هناك ،
اختلاف هناك تحاور ، ,لا بد من الأخذ و الرد ،
و إقامة الحجة و الرد و الدعوة بـ الحكمة والموعظة الحسنة .

قال تعالى في الاختلاف [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] هود:118
فـ مهما كان بين اثنين من ألفة و تعايش و اشتراك في طلب العلم أو العمل ،
لا بد أن يكون هناك بعض الاختلاف



| الباعث الرابع |
طبيعة بعض النصوص الشرعية و قبولها لاختلاف الافهام و الأنظار ،
فـ نصوص الشرع ليست كلها قطعية ،
فيها نصوص ظنية ، تختلف فيها الأفهام و الاجتهادات ،
و من ثم وجد اختلاف في بعض المسائل و الأحكام الشرعية في الأبواب التي يسوغ فيها الاجتهاد
و لمن كان مؤهلاً وفق ضوابط الشرع لـ ألاجتهاد التي ذكرها أهل العلم .

| الباعث الخامس |

واقع الحوار ، إن واقع الحوار غير مرضي ، و غير متطابق مع الضوابط الشرعية و آداب الاسلام في كثر من الأحوال .
و كثيراً ما ينقلب الحوار إلى المجادلة و قد تتحول المجادلة إلى مخاصمة ،
و تنقلب الأخيرة إلى مصارعة .

و أحياناً تجد اثنين قد اختلفا في أمر ،
فـ جا لـ يتفاهما فـ تتفاجأ بـ اتهامات و صراخ ..
و هذا الواقع بال شك لا يليق بـ المسلمين من بذاءة في الألفاظ أو قذف بـ الاتهامات أو
وجود لإضمار السوء
بـ النوايا أو نحو ذلك .

/

\

[ فوائد الحوار ]

 

 

| الفائدة الأولى |

 

وسيلة ناجحة في الدعوة إلى الله تعالى
و هو من وسائل تبليغ الحق و نصرته و زهق الباطل ،.
و قد مر بنا كيف أن القصص القرآني الذي ذكر الله فيه الحوار ،
ظهر لنا في آخره انتصار الحق و علو رايته و ظهرت لنا إقامة الحجة و هذا لا شك أمر مهم جداً ، فإن المخالف قد يكون مخطئاً في الفهم ،
و إن العاصي قد يكون متأولاً في معصيته ، فإذ ا لم يكن بيننا و بينهم حوار فلا تتحقق الثمرة المرجوة

نحن جميعاً نرجو للكافر دخوله في الإسلام ،
و للعاصي التوبة ، و للطائع المزيد من الخير .

نحن قومٌ علمنا ديننا أن نحب الخير لكل الناس ،
و حتى أن الجهاد و القتال و إقامة الحدود من حب الخير للناس :
{ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا
} المائدة : 32.

و يدخل ضمن الحوار ، قطع دابر الشبهات ،
و تفنيد زيغ أهل الأهواء و الضلالات و إن بعض الناس قد تروج عليهم هذه الشبهات و تتسرب إلى عقولهم الأهواء و البدع ،
فعندما تحصل المحاورة ينحسم هذا الخلاف و يرى الناس نور الحق كيف يبدد ظلمات الباطل .

و يذكر في ذلك مثالاً لطيفاً ،
ذكُر في ترجمة الباقلاني في البداية و النهاية عن الحافظ ابن كثير ” لقي الباقلاني و هو من أهل العلم ,
و من أهل الذكاء بل هو من أذكى أذكياء أهل الإسلام ،
لقيه بعض النصارى وأرادوا أن يعرّضوا بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالو له سؤالاً يقصدون به احراجه ،
و حتى ينحصر كما يقولون في زاوية و لا يستطيع أن يتكلم و يقولون عنه أُم أو كما يقولون أسكت أو نحو ذلك . قالوا : ما فعلت زوجة نبيكم ،
و السؤال فيه خبث و دهاء ليس فيه غير ذلك .
كأنهم لم يتهموا و لم يقولوا شيئاً ,
إنما أرادوا أن يشيروا إلى قصة الإفك التي قالها أهل النفاق في شأن عائشة رضي الله عنها
فأجابهم الباقلاني على البديهة مباشرة جوابأً مقنعاً مفعماً مقنعاً قاطعاً لشبهتهم و مخرساً لأهل اباطل ،
قال : هما امرأتان ذكرهم الناس بسوء : إحداهما لا زوج لها و جاءت بولد و الثانية لها زوج و لم تأتِ بولد ،
و قد برأهما لله عز و جل .
” فـ أيهما أكثر شبهة و ريبة ؟ الأمر الأول ، فقال في بقية القصة ” إن كنتم تريدون اللمز على أهل الإسلام
، فأنتم الأحق بـ اللمز و إن كان الأمر أن كلاهما قد ورد فيهما القول الفصل و الحق من الله تعالى ”

| الفائدة الثانية |

كشف الخطأ و بيان وجه القصور ،
نحن كلنا ذاك لرجل الخطّاء كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم
{ كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين : التوابون} صحيح الترمذي : حسن .

أما إذا كنت وحيداً منعزلاً ، لا تكلم أحداً , لا يكلمك أحد ،
و لا تستفي و لا تُفتي ، ولا تراجع و لا تُراجع ،
فـ كيف لك أن تعرف خطاً وقعت فيه ، أو علماً ووهمت فيه ،
أو دليلاً لم يكن في محل استشهاده !

إن المحاورة سبيل من سبل تقويم ذواتنا و تقليل قصورنا ،
و حتى إن الفطن اللبيب قد يحمد أعداءه أحياناً ، لماذا ؟
لأن الأعداء أعينهم بك متربصة ، و فرحم بـ أخطائك وفرحهم بـ أخطائك كبير ،
فهم قد هيأهم الله عز و جل لكي ينبهوك على أقل خطأ تقع فيه ،
و في وقت وقوعه ، لا من حسن نية و نقصد ، إنما لـ منافع هيّأها الله لك .


بلال بن سعد ، أحد أئمة السلف رضوان الله عليهم يقول :

أخٌ لك كل يما لقيته يذكرك بنصيبك من الله ،
و أخبرك بـ عيب فيك ، أحب إليك و خير لك من أخ كل ما لقيك وضع في يدك ديناراً

يعني يا أحبة ، ان الأخ الناقد الحاور الناصح إذا جاء وفق ضوابط شرعية و بأسلوب حسن ، أفضل لك بت كثير من أن تنقَد النقد و تعطى المال

| الفائدة الثالثة |
تلاقح الآراء مظنة الصواب ، فأنت عندما تختلف مع انسان و تناظره في أمر من الأمور ،
تبدي له دليلك و يدبي لك دليله .
ثم يكون بينكما من النظر ما يجعل نظر أحدكما الأرجح
فإن ناتج الحوار دائماً يكون الأصوب .

[ التأصيل الشرعي للحوار ]
أ‌-الحوار القرآني :

 

1-{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }البقرة260

2- { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ *وَما عَلَيْنا إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبينُ * قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ }

3- {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} المجادلة 1

4- { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ*فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ *فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين*فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون*إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} سورة الأنعام .

5- {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا*فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا*قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا* قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا*قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا*قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا*فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا*قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا*فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا*قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا*قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا*فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا*قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا*أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا*وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا*فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا*وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} سورة الكهف .

ب – الحوار في السنة
1-أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينه في شيء قال عكرمة : أراه قال : في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي : لا ولا أجملت . فغضب بعض المسلمين ، وهموا أن يقوموا إليه ، فأشار رسول الله إليهم : أن كفوا . فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله ، دعا الأعرابي إلى البيت ، فقال له : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت . فزاده رسول الله شيئا ، وقال : أحسنت إليك ؟ فقال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل عشيرة خيرا . قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك ، فقلت ما قلت ، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء ، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب عن صدورهم . قال : نعم . فلما جاء الأعرابي قال : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه ، فقال ما قال ، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي ، كذلك يا أعرابي ؟ قال الأعرابي : نعم ، فجزاك الله من أهل عشيرة خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة ، فشردت عليه ، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ، فقال لهم صاحب الناقة : خلوا بيني وبين ناقتي ، فأنا أرفق بها ، وأعلم بها . فتوجه إليها وأخذ لها من قتام الأرض ، ودعاها حتى جاءت واستجابت ، وشد عليها رحلها وإنه لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار

[ أسباب الحوار و بواعثه ]

| الباعث الأول |

نموذج الحوار في القرآن الكريم و السنة النبوية ،
هو النموذج المنطقي الذي نستقي منه أسباب الحوار .

أمثلة لـ الحوار في القرآن و السنة :
| المثال الأول|
قصة الخليل إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة
[ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك]

و ذكر لنا أسلوب الحوار و الرد الرائع ، و الأدب الجم ،
و الحجة القوية ، و الوصول إلى إحقاق الحق ،
وإبطال الباطل في بضع آيات و قع الحيث عنها بين إبراهيم عليه السلام و هذا التمرود .

|المثال الثاني |
قصص حوار موسى عليه السلام مع فرعون ، و حواره مع قومه .
و منها الحوار الذي در بين موسى و فرعون لما قال [ و ما رب العالمين ] .
و تواصل الحوار حتى لجأ فرعون إلى حيلة العاجز و استعمال الأساليب التي تتخذ حين
يصل المحاور درجة العجز حيث قال [ لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجنوين ]

فـ هنا لم تعد محاورة و إنما صارت صراع .
و جؤ بـ منطق غير علمي و لا منطقي و لا نافع لـ الأطراف التي قد تتخلف

|المثال الثالث|
قصة نوح عليه السلام لما قال له قومه [ يا نوح قد جادلتنا فأ كثرت حدالنا ] .
فـ المجادلة مشتقة من الجدل ، جدل الحبل أي فتله ،
و المراد أن المجادل يريد أن يجدل صاحبه و أن يتفل مجادلِه إلى رأيه ، و ليقنعه بـ فكره .

|المثال الرابع|
قصة الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه و سلم و معه غلام أسود و قال :
إن امرأتي جاءت بـ هذا الغلام الأسود ،

فـ هو كان في نفسه ريبة و كأنه يخشى أن يكون هذا الولد ليس منه ،
وليس فيه ، و لا في زوجته و لا بعض أهله من له هذا اللون ،

فأدار النبي عليه الصلاة و السلام حواراً جميلاً و مطيباً للحجة .
قال له النبي صلى الله عليه و سلم :

أليس لك إبل فقال بلى ، قالفما لونها ، قال : حمراء ، قال هل فيها من أورق ؟ قال نعم ،قال فمن أين جاء ؟ قال : لعله نزعه عرق ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم :
فلعله ، أي فلعل ابنك هذا نزعه عرق .

فـ ما دام الله جل و علا قد قص علينا و النبي صلى الله عليه و سلم قام بـ هذا الحوار
وأجراه بينه و بين الناس من معاند و مخالف و من موافق و مخالف ،
فـ لماذا لا نتعلم و ننتفع بـ هذا الحوار ؟ !

 

 

| الباعث الثاني |

الحوار بين الاستحباب و الفرض ، ذكر أهل العلم في حكم المناظرة أنه في كثير من الأحوال مستحبة .

|الباعث الثالث |

وجود الاختلاف في الآارء و في الطباع ، ,هذا أمر فطري بشري ،
و هذا من اعجاز الله تعالى في خلقه ،
فـ لاتجد انساناً يتطابق مع آخر في كل شيء

لكنك تجد حليماً متئداً ، و ذاك سريعاً منفعلاً ،
و نحد اختلافاً في التفكير ، و سعة الذاكرة ، ,توقد الذهن ، و في سرعة الفهم .

و هذا بالتالي ينتج عنه اختلاف ،
و ما دام هناك ،
اختلاف هناك تحاور ، ,لا بد من الأخذ و الرد ،
و إقامة الحجة و الرد و الدعوة بـ الحكمة والموعظة الحسنة .

قال تعالى في الاختلاف [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ] هود:118
فـ مهما كان بين اثنين من ألفة و تعايش و اشتراك في طلب العلم أو العمل ،
لا بد أن يكون هناك بعض الاختلاف



| الباعث الرابع |
طبيعة بعض النصوص الشرعية و قبولها لاختلاف الافهام و الأنظار ،
فـ نصوص الشرع ليست كلها قطعية ،
فيها نصوص ظنية ، تختلف فيها الأفهام و الاجتهادات ،
و من ثم وجد اختلاف في بعض المسائل و الأحكام الشرعية في الأبواب التي يسوغ فيها الاجتهاد
و لمن كان مؤهلاً وفق ضوابط الشرع لـ ألاجتهاد التي ذكرها أهل العلم .

| الباعث الخامس |

واقع الحوار ، إن واقع الحوار غير مرضي ، و غير متطابق مع الضوابط الشرعية و آداب الاسلام في كثر من الأحوال .
و كثيراً ما ينقلب الحوار إلى المجادلة و قد تتحول المجادلة إلى مخاصمة ،
و تنقلب الأخيرة إلى مصارعة .

و أحياناً تجد اثنين قد اختلفا في أمر ،
فـ جا لـ يتفاهما فـ تتفاجأ بـ اتهامات و صراخ ..
و هذا الواقع بال شك لا يليق بـ المسلمين من بذاءة في الألفاظ أو قذف بـ الاتهامات أو
وجود لإضمار السوء
بـ النوايا أو نحو ذلك .

!