أن تقرأَ لتكبر


20170306_125155

تتشكّل مفاهيم الإنسان الأوّليّة -مهما كانت درجة صحّتها- خلال طفولته ومما يراه حوله في بيئته، هذا يعني أن بإمكاننا العودة لطفولة الأفراد إن أردنا تحليل بعض السلوكيات أو التوجهات الفكرية، باختلافها وتفاوتها، باتفاقها وتنافرها.
وعيت وأمامي أصغر إخوتي “الكبار” الذي يكبرني بسنوات، وحين ذاك كان يكتب بقلم الحبر إقرأ المزيد

يا ابنتي: اقرئي


1333730696-1333730696_goodreads_misc

ينمو الإنسان بالتجارب، فإن غابت عنه، أو نأى بنفسه عنها بالأصح، ضمُر عقله وتبلّد سلوكه وبرَد حسّه وتخبّط في حياةٍ لم يوجد فيها ليختار أن يكون بُهيمي. ومن جملة قوالب التجارب التي تغّذيه وتصعد به: القراءة، قراءة الكتب، القراءة الحقيقة التي تمدّ كفّها فتنهض به، تُنير طريقه فيُبصر خطوته، تُريه عقول الناس وأرواحهم فيختار هيئة عقله وصحبته. وبحسب استعداده الفطري والشخصي والكيف الذي قَويَ عليه عوده سيحاول إلقام الآخرين ما جرّبه وحسّه.

الفتاة بطبعها وفطرتها متفاعلة وتشاركيّة، وهذا مما يفسّر أن الإناث أسرع نطقاً وأثرى مفردات من الذكور خلال فترة الطفولة ليمكنها أن تتواصل، والنساء أنشط من الرجال وأكثر حضوراً في الأعمال الاجتماعية والتطوّعية، لأنها تريد إيصال ما لديها. هاتان الصفتان أصيلتان، تزدادان وضوحاً وتفرعاً أو تغيبان بحسب تجاربها، وما يهمني هنا تجربتها مع القراءة.

يقول عبد الحميد باديس:”إذا علّمت ولداً فقد علمت فرداً، وإذا علّمت بنتاً فقد علّمت أمة.” وبحسب المثل الأجنبي:” إذا قرأت الأمّ كتاباً فإن العائلة بأكملها تقرؤه.”

في ذلك إقرار لأثر الفتاة على محيطها، فإن كانت ستعلّم أمةً -بذكورها وإناثها- بتعليمها، وتُقرئ عائلةً -بذكورها وإناثها -بقراءتها، فإنّها ستُحط بشأن الأمّة إن جَهِلت لأنها لن تهتم بتعليم أبنائها -ذكوراً وإناثاً-، بذور تلك الأمّة، ولن تقرأ لهم ولن -بالتالي- تغذيهم التغذيةَ السليمة من تربية وتخلّق وتديّن. لنذكر أنها متفاعلة وتشاركيّة: تتفاعل مع ما تتعرّض له، وتشاركه غيرها.

جودة تفاعلها وتشاركها بجودةِ التجربة القِرائية المُدخلة -وليس بكمّها-، وبمقدار وعيها بدورها ستكون تلك الجودة، مع اعتبار تضافر التجارب الأخرى -أصولاً وروافد- وسياقات التفعيل.

يا ابنتي: اقرئي. اقرئي لأن القراءة نِعمة تُسلّيك وتؤنسك وتسمو بكِ وتغيّرك. اقرئي لأن القراءة ستأخذك من ضيق مدى عينك إلى رحابة عقول الآخرين وعلومهم وحيواتهم. اقرئي، لأن القراءة ستعرّفك على نفسك، بنفسك.  وأرجوكِ، حين تقرئين أحيي روحك وحرّكي حسّك وأيقظي عقلك، فإنّ وراءك مجتمعاً وأمّة.


متن:

اقرئي -يا ابنتي- في ومع ومن:

 

 

خيبة #ملتقى_التميز_المؤسسي


أُقيمت فعاليات التميّز المؤسسي لهذا العام على مدى أربعة أيام: يومين لورش العمل ويومين للملتقى، وقد حضرت يوميّ الملتقى بدعوة كريمة من مركز الملك سلمان للشباب، ولم أتمكن من حضوره العام الماضي لظروف دراسية.
ألقيت نظرة بطبيعة الحال على جدول الجَلَسات أو العروض التي سنقضي 14 ساعة تقريباً في الاستماع إليها والتفاعل معها، ولأن غالبية المتحدثين سعوديون رحتُ أبحث عن الضيوف غير العرب. أربعة ضيوف بمواضيع تبدو مختلفة، كعادة توقعاتنا عن الخبرات الخارجيّة. لم أحاول البحث عن السعوديين وإن عرفت بعضهم سابقاً لحضورهم في الشبكات الاجتماعية لأستعد للصدمات والدهشات التي سأتلقاها.
أذكر حضوري الأول لملتقى عام غير أكاديمي، كان تيدكس المناهج عام 2011، معظم المتحدثين شباب واعد وطموح لم يتخرج من الجامعة بعد حينذاك، ومن يراهم اليوم لا يستطيع إلا أن يفخر بهم فما أنجزوه جملةً حتى الآن  أكبر من المتوقع من شباب صورته النمطية غير مُبشرة.
خمس سنوات كفيلة بتغيير دول، فكيف بالإنسان؟ وكأني بهذا الملتقى يخبرني بما سيكون عليه من كان في تيدكس المناهج بعد 15 عامٍ أو أكثر.
خابت توقعاتي من الضيوف غير العرب.. مع احترامي لخبراتهم إلا أن المتحدثين الشباب وازَوْهم في استعراض التجارب والأنظمة والتطبيقات والمفاهيم المؤسساتية لتميّز المخرجات التي حدثت في منظماتهم، هل هو تفوّق التلميذ على معلمه؟ لا أدري، لكن لو اكتفينا بحديث الشباب لكان أكثر مما أطلب، ولو أنه لم يعجبني غياب الترجمة، إلا أن من لم يدركها لم يفته شيء (: ، حتى مهارات التحدّث، تفوّق شبابُنا وشيباننا فيها، وهو تفوّق لا يعني سوء الآخرين..
ظهور أثر اللهجات المحلية على لكنة المتحدثين ومشاركة بعضهم قصصهم العائلية وتواضع أحدهم حين قال عن نفسه: “أنا وأنتم عندنا مفهوم القرود الخمسة” بالرغم من تدرّب بعضهم ودراسته في الخارج، يُعطي ملمحاً آخر لشخصياتهم: التوجّه المحلّي للارتقاء.
شرح لي أخي مرّة إجراءات التوظيف في وزارة الخدمة المدنية حين كانت ديوان الخدمة المدنية أو الديوان الملكي والرحلات المكوكية للأوراق والأفراد والإجراءات، ليصعد على المسرح م. البسام ويخبرنا كيف تحوّلت إجراءات الوزارة واُختصرت عملياتها ونُظّمت بياناتها لتقدم خدماتها للمستفيد. ما الذي أدهشني بالموضوع؟ إدراك الشباب لحاجات الوزارة ومعرفتهم بمستوى تعقيداتها وعملهم على حل هذه العقد.
لا يهم من أين أتت الأداة أو من ابتكر النظام، بل الأهم هو الاستخدام الصحيح. التعليم أو التدريب الجيّد يخرّج متعلماً جيّداً، لكنه بلا شخصية ولا رؤية ولا دافعية لن يكون إلا عالةً عليك.
ما أرغب بالتعبير عنه أكثر مما دوّنته، وما أُريد مناقشته ليس هذا محلّه، وما أحدثه الشباب ليس حصيلة يوم وليلة ولا زيارة  مكثفة لمستشار، إنما عمل متواصل والتقاط ذكي للفرص واستثمار لما سبق وما يحصل لبناء ما سيأتي، بدأ منذ عشرة أعوام أو أزيد، وقد علّق روجر أحد المتحدثين قائلاً:”أزور السعودية منذ عشرة أعوام، ويبهرني في كل مرة مستوى التزام العاملين في المنظمات التي أعمل معها.” وها هم يقترب بعضهم من سن الأربعين وهو يعرف إلى أين تتجه أعوامه بعدها! د. صلاح الزامل، ود. فيصل التميمي ود. عدنان المنصور هم الشواهد على نتائج النجاح الشابّ.

القاعدة الأخيرة: العائلة أولاً


       مئات المقاطع المرئية والمقالات والتغريدات والكتب تؤكد على أهمية اتباع الحلم والتخطيط لكل ثانية في اليوم وأن التقدم لا يكون إلا بالعمل الجاد المتواصل وتكوين العلاقات العامة بالإضافة إلى أهمية خدمة المجتمع والارتقاء بالآخرين. تركز هذه المواد على الفرد: استقلاليته وإثباته لقدراته ومجتمعه: نفعه وتطويره، إلا أنها غالباً ما تغفل الدائرة التي تحيط بالفرد قبل المجتمع، الدائرة التي احتضنته أولاً وبينها تقلّب قبل أن يشب عن طوقها. دائرة المقربين أقصد بمستوييها: مستوى العائلة (المقربة والممتدة) ومستوى الأصدقاء المقربين.
       لم أجد  حقيقة فيما قرأت ما يفسّر هذا القفز المتعمّد لدور العائلة والأصدقاء في سياق الإرشاد المهني والتطوعي، وأذكر نقاش دار بين مُحاضرة وزميلة حيث كانت الأولى”توبخنا” على مستوانا الثقافي العام وتُرجعه إلى علاقاتنا الاجتماعية “الكثيرة،” لتقف الثانية وتقول: we need to socialize! we are human begins! أي: نحتاج للاختلاط بالناس، فنحن بشر! لترد الأستاذة: No, you need to focus on your study, not on your social relationships أي: بل تحتجن للتركيز على الدراسة وليس على علاقاتكن الاجتماعية.
       وإن كنت لا أؤيد المبالغة في التواصل الاجتماعي، إلا أن ما ذكرته الزميلة واقعي. العلاقات الاجتماعية حاجة.
       التركيز على العمل والتطوع وغض الطرف عن العائلة والدائرة المقربة أو الهروب بالأصح شائع في الكتب الأجنبية الغربية، فلم أطلع على الشرقية، وأراه انتقل للأسف بين أوساطنا نحن المسلمين أولاً العرب ثانياً، إما عن طريق متلقي هذه المواد الرسمية مباشرة فأقرؤها في المقالات وأشاهدها في الدورات، أو تسربت عن طريق المواد الترفيهية حيث الحياة أروع خارج المنزل، فألاحظ رغبة المراهقين أو العشرينيين ذكوراً وإناثاً في الوحدة -الابتعاد عن العائلة- والتذمر من العلاقات الاجتماعية أو ما يسمى “المواجيب”
       هذا الأسلوب شاع في المجتمع الغربي؛ أقصد الاستقلال التام عن العائلة وإهمال تنمية العلاقات الاجتماعية الشخصية حتى صارت البنية الاجتماعية مهلهلة فلا تكاتف ولا مساندة وزاد أعداد زوار العيادات النفسية وانتشرت أعراض الاكتئاب وارتفعت أعداد المصابين به [1]، وألاحظ وإن لم تكن ملاحظة مكثفة، توجه لإعادة بوصلة الحياة.
مآل هذه النزعة مُخيف، حساب سكان نيويورك عرض قصص لبعض من تبنوها خلال مراهقتهم وبدايات الشباب، أن تصل للأربعين والخمسين بنجاح مهني مُبهر، لكن لا أحد إلى جوارك يحتفل به معك احتفال حقيقي، لا أحد تصل الله بصلته، لا أحد يحتمل نزقك ويذكرك بطيشك فتتضاحكان، لا أطفال عائلة  تزن كلمتك ورأيك أمامهم، لا كبار سن يدثرونك بحبهم،لا أحد يسمر معك ليالي الصيف وتسهر معه حتى فجر العيد، بالمناسبة، أعلى نسبة انتحار سُجلت بعد انتهاء موسم الأعياد بسبب الاكتئاب الحاد الذي يصيب المنتحرين.
       ولعل من أوائل ما قرأته حول ذكر العائلة في سياق مهني ما ذكرته صاحب  كتاب “قواعد العمل The Rules of Work” وأستطيع اعتباره كتاب مهني أخلاقي! [2] مما يؤكده في قواعد التخطيط والعلاقات أهمية العائلة، فهو حين ينصحك بالتخطيط قصير المدى وبعيده، يذكرك أن ترتبه وفقاً لارتباطاتك العائلية من إجازات سنوية ولقاءات أسبوعية  وبحيث لا يتعارض مع الأحداث المفاجئة مثل اجتماع الآباء في مدرسة ابنك ولا تتنازل عن المواعيد العائلية لأجل العمل إلا عند الضرورة القصوى، ولو فعلت عليك التعويض، وفي موضع آخر يؤكد أن لا تخلط بين شؤون العمل والمنزل، واستمتع بهما في مكانيهما، ولا تعمل في المنزل فهذا وقت العائلة! واقتباسي المفضل منه قوله:
العمل، مهما حصل، يظل عملاً، ليس أهم من صحتك ولا حياتك ولا عائلتك ولا أطفالك.
       هل تعلم متى سنجني ثمار طريقة تعاملنا مع عائلاتنا وأصدقائنا، سلبية كانت أو إيجابية؟ في لحظات الوحدة ومواقف الحزن التي لابد منها، وحين تخبو قوة الشباب الجسدية، وتبدأ الروح بالبحث عن الصفاء والهدوء والطمأنينة. وهذا ما توصلت إليه دراسة أجرتها جامعة هارفرد مدتها 75 عاماً [3]. تصور، دراسة استمرت طيلة هذه العقود لتخبرنا ما الذي سيحل بنا حين نشيخ، وأن شيخوختنا انعكاس ما فعلنا في شبابنا، مع عائلاتنا وأصدقائنا ومجتمعاتنا تحديداً. لا يعني ذلك أن النجاح المهني سيء، لكنه لا يعني أبداً أنه لا يتحقق إلا إذا انفصلت عن مقربيك.
       براء أشرف، شاب مصري رحل عن عالمنا قبل بلوغه الثلاثين، قبل رحيله الذي لم يحسب حسابه كتب تدوينة عن عمله وهو من الناجحين الفائقين فيه، المؤسف أنه ركّز في حديثه عنه عائلته وعلاقاته الاجتماعية [4]، فماذا عساه يقول لو بلغ الستين وهو على هذه الحال؟ رحمه الله رحمةً واسعة..
       لا أتوقع أن تكون كل العلاقات العائلية والاجتماعية مثالية بطبيعة الحال، وهذا محال، لكن يمكن تحسينها بقاعدة “سددوا وقاربوا،” وأقربها وأهمها ما كان مع الوالدين والإخوة، المهم أن نعمل على تحسينها فالندم، فيما قرأت، بحق النفس في الشيخوخة مرير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ذكرت شيء من ذلك دكتورة علم النفس العيادي في كتابها The Defining Age | لقراءة ملخصه بالعربية
[2] بالإمكان قراءة ملخص الكتاب بالعربية هنا
[3] المدير الرابع للدراسة ظهر في إحدى فعاليات تيد. ترجمتُ كلمته هنا

[4] تدوينة براء أشرف: عملي الذي دمّر حياتي

مشكلات الفلسفة لـ برتراند راسل


ملاحظة: اقفز فضلاً للفقرتين الثانية ,الأخيرة فهما ما يتناول الكتاب مباشرة، فقد بدأت كتابة التدوينة لأخبرك عنه لكني حوّرتها لتكون تجربتي معه.

CYG7U57WMAECncl

حين أرى من وصل عمر السبعين وما بعدها، أفكّر: هل ظنّوا أنهم سيبلغونها يوماً؟ ما طعم ذكرياتهم؟ ما قيمة الأشياء الآن؟ هل ما كان شجاعةً في الشباب أثبت حماقته عند المشيب؟ هل كشفت مرارات الشباب لهم عن خيراتها؟ كيف كانت تصوراتهم عن هذا العمر؟ كيف السكينة والطمأنينة؟ … وغيرها من الأفكار والتساؤلات التي تندرج تحت تساؤل: ماذا  بعد سن الأربعين؟

برتراند راسل، إيرل ويلزي يُعد إنجليزياً لأنه عاش معظم حياته في إنجلترا، عاش 98 عاماً، فيلسوف ورياضي عبقري. ألف كتب في الرياضيات والمنطق والفلسفة، وهو أحد مؤلفَيّ كتاب مبادئ الرياضيات Principia Mathematica، وكثير من كتبه مترجمة للعربية [1]، ترجمات قديمة بعضها نفد من المكتبات القديمة حتى، وقد توقفت كثيراً عند عمره الذي عاشه ومراحله التي مرّ بها.

وصلني كتابه The Problems of Philosophy الذي نشره عام 1912 -بعمر الرابعة والأربعين- من دار عالم الأدب -مشكورةً- لترجمته، اطلعت عليه وتحمست له لعدة أمور:

  • كاتبه إنجليزي.
  • سأقرأ كتاباً يُنظّم لي مبادئ الفلسفة، بعد قراءات متبعثرة.
  • أهمية الكتاب في مجاله وكونه مما نفدت نسخ ترجمته فاحتاج لإعادة الترجمة.

أرسلت موافقتي للدار وأجلت العمل عليه قليلاً لأني كنتُ قد بدأت -قدراً- بحثاً لغوياً حول أحد مواضيع القرآن الكريم.

استلزم البحث اللغوي قراءات في عدة علوم أهمها التفسير، مع بعض الأبحاث والدراسات الأجنبية، وقراءة متكررة تحليلية للآيات القرآنية.

بدأت ترجمة الكتاب ولمّا انتهيت من ذلك البحث، وبطبيعة الحال استلزم مني قراءات منظمة أيضاً في المذاهب الفلسفية وعلمائها وما إلى ذلك من مواضيع فلسفية. فالكتاب مُعد لطلبة الفلسفة، يبدأ راسل بمثال، ثم يتدرج في شرح المفاهيم الفلسفية ويعرض آراء الفلاسفة وعلاقة الفلسفة بالعلوم وهل هي علم أم عملية عقلية مجردة والفرق بين الفلسفة والمعرفة وما إلى ذلك من شؤون فلسفية.

تبددت حماستي خلال قراءة الكتاب والقراءات الجانبية واستحالت إلى شعور بالقتامة، لا أدري إن كان هذا مصطلحاً عربياً لكني أستخدمه للتعبير عن شدة الضيق في الروح وسوداوية مقيتة، وكادت تطفر مني دمعات في مواضع.

الكتاب ليس وجدانياً طبعاً، وكل المواضيع التي تناولها تناولها بحياد لأنه مدخل للطلبة حتى مفهوم الرب ووجوده تناوله كما يراه بعض الفلاسفة [2]، لكن في القراءات الجانبية حين تقرأ أن فيلسوفاً يقول إن الرب يرى الأشياء مادام فاتحاً لعينيه وتغيب عنه إن أغمضها كما نفعل تماماً، وهو القول الذي توصل إليه بعد تفكّر في وجود الأشياء، تتساءل: إن كان يغيب عن الرب -جل في علاه- الذي أمامه، من يدبر الكون؟ ولِمَ خلقه أصلاً إن عجز عن تدبير الشيء إلا إن كان تحت عينه؟ فيمر بخاطرك اللطف الذي شملك به في مواقف الخطر المحدق، وآية الكرسي التي تثبت أن لا سنة له ولا نوم سبحانه..

حين تصل مرحلة عرضه مفهوميّ الزمان والمكان، وتقرأ جانبياً أيضاً أن بعض الفلاسفة أنكر الغيبيات لأنها لا تحصل في زمانه ومكانه الذين يُعرّفهما مما يعني انعدام الإله، وتعلم أن حيّز الغيبيات ليس كحيّز الحياة الأرضية فلا معنى للمقارنة وتجاوز ما لا يدركه عقلك، تدرك عظمة التوحيد الذي يشترط عليك الإيمان بها التي لا تدرك كُنهها وتصدقها الخبر وترى أثر بعضها [3]

خلال القراءات الفلسفية تدرك يقيناً وبالتجربة الفرق بين الظلمات والنور في “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور” .. الظلمات ضلالات في كل وادٍ، عينان معميتان، تيه في المسير، والنور واحد، واضح، مُريح ومستقيم، مهما ملت فما زلت تبصر لتعود.

لا أظن أن هذا الأثر سيكون لو لم تسبقه تلك القراءات في العلوم القرآنية، وحين تواجه نفسك بحقيقة أن الله أنزل لك الدين ليكفيك صراع مآلات الأسئلة الميتافيزيقية التي لا يحيط بها إلا هو سبحانه، فالفلاسفة بمجملهم لم يطرحوا أسئلة الألوهية عبثاً بل كانت نهاية مقدمة الأسئلة المعرفية التي ألزموا أنفسهم بإجاباتها، وأذكر في ذلك الحديث “لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟” [3] ، هذا لا يعني أنهم منكرين لوجود الله سبحانه، بل معظهم يؤمن به.

انتهيت من ترجمة الكتاب واستأنفت البحث اللغوي، قرأت الآيات كما لم أقرأها من قبل، يدبر الأمر، اللطيف الخبير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، “ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً..” ، “ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور” … ، كيف يا رب حال من وصل أرذل العمر ولم يعرفك؟

يقول راسل، وهو محق، إن كل العلوم بدأت بفلسفة، وهو طرح السؤال والبحث عن إجابته ثم استخلاص القوانين والأُطر العامة وبعدما اتضحت معالمها صارت علوماً مستقلة، ولن تستمر في توسعها ما لم يواصل علماؤها الفلسفة/طرح الأسئلة وطرح إجاباتها. وفي هذا الجانب يقول أيضاً أن ما لكل الأسئلة إجابات يعرفها الإنسان، وما كل سؤال تجب إجابته، تغير المذاهب والآراء وتنوع المكتشفات منذ عهد أفلاطون حتى الآن يثبت لنا ذلك، وليس من الفلسفة تعقيد المواضيع والجدل فيها.

هل أنصح بقراءة الكتاب؟ نعم، ولحسن حظك أني قد ترجمتُه حتى لا يفوتك الخير الكثير ( : .

هل سأكرر ترجمة كتابٍ من هذا النوع؟ بكل تأكيد، إن أذن الله.

هل الكتاب كئيب وشائك كما يُوحي به الغلاف؟ لا ، بل يسلط الضوء على ما هو أساسي ورئيسي في الفلسفة بطريقة تحليلة منطقية مفهومة بلا تعقيد، وهو ما اشتهر به راسل، كما يصحح مفهومك للفلسفة وبالتالي نظرتك لها.

يتكون من 15 فصلأً، كالتالي:

  1.  بين المظهر والماهية
  2.  وجود المادة
  3.  طبيعة المادة
  4. المثالية
  5.  المعرفة بالدراية والمعرفة بالوصف
  6.  حول الاستقراء
  7.  حول معرفتنا بالمبادئ العامة
  8.  إمكانية المعرفة القبلية
  9. عالم الكلّيّات
  10. حول معرفتنا بالكلّيّات
  11. حول المعرفة البدهية
  12. الصواب والخطأ
  13.  المعرفة والخطأ والرأي المحتمل
  14.  حدود المعرفة الفلسفية
  15.  قيمة الفلسفة

الكتاب سيكون أول مرّة على رفوف دار عالم الأدب في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

حواشي:

[1] قائمة كتب برتراند راسل وسيرته الذاتية

بالإنجليزية: http://bit.ly/1RXYTMA

بالعربية: http://bit.ly/1OpKOF8

[2] لم يذهب راسل بعيداً في الغيبيات كالجنة والملائكة والشياطين والشر والخير لموقفه منها ولعدم حاجة طلبة الفلسفة لها في هذا المستوى، ولم يناقشها طبعاً دينياً في عرضه العارض.

[3] من لطيف ما عرضه راسل أن الشيء يُدرك وإن لم يُرَ، ولا يُشترط في وجوده رؤيته عين اليقين، وهو بهذا وبطريقة غير مباشرة يُثبت وجود الإله الذي ينكره فلاسفة آخرون سواء إنكار كُلي أو إنكار الكُنه المختلف، جل في علاه.

نظرية موت المؤلف والنص القرآني


تعرفت أول مرة على مذهب”موت المؤلف” حين كانت مصادر قراءتنا المجلات الثقافة، وملخصه نقد النص وتفسيره بغض النظر عن من ألفه؛ تأثير دوافعه وأسبابه وأحداث حياته وبيئته وزمنه على العمل [1]. لم أقتنع به لأني كنت أرى العمل الأدبي نتاج إنساني أخرجته عدة عوامل، لكن لا أجادل لو كان موضع النقد الجوانب اللغوية في النص خلا الوحيين.

مرت الأيام وحضرت مؤتمر للنقد والبلاغة العربية في الجامعة ضيوفه من تونس، عام 2010 تقريباً. كان كل شيء يسير على ما يرام حتى بدأت فقرة أسئلة الحضور. خرج أستاذ ليسأل الضيف:

هل ترى إمكانية نقد النص القرآني دون النظر إلى الآيات التي تحيط به وأقوال السابقين فيه؟ بقصد الوصول إلى معناه.

ظننت أني لم أسمعه جيداً، كان يطرح سؤاله متلعثماً، فطلب الضيف منه إعادة السؤال فأعاده كما هو (لا أذكر نصه لكن هذا معناه)،  فلما أعاده أجاب:
لا طبعاً! النص القرآني فوق كل نقد ولا يمكن اجتزاء الآيات وتفسيرها دون سياقاتها ودون الرجوع إلى فهم السلف.

قالها بصرامة.

الذي ذكرني بهذا المشهد ما كان في تويتر قبل أشهر من نقاش محموم حول نظرية موت المؤلف، استغربت استماتة مجموعة ممن أتابعهم في رفضها. أقصد أنها لم تستحق كل هذا الهجوم فليسو من المتخصصين بالأدب والمتعصبين عموماً. عدت بعد أيام عندما هدأ النقاش لأقرأ آراء المصرين على توظيفها في هذا الزمن أكثر من غيره، فزال العجب!
الزامك نفسك بنظرية موت المؤلف على كل حال يُلزمك لتفسير القرآن الكريم كلام العزيز الجليل مجتزأً كل آية من سورتها وسياقها، قاطعاً علاقتها بالآيات الأخريات، مغيباً أسباب النزول متجاوزاً أقوال الصحابة، مغفلاً السنة النبوية، التي هي مفسّرة للقرآن، والأشد خطورة أن تغيب الله جلّ في علاه، لتفسر القرآن بما تراه وتظنه، أي تعامل النص القرآني على أنه نص أدبي يخضع لما تخضع له النصوص الأدبية من نقد وتفسير وتشريح وتنظير..
لا أدري كيف يجرؤ مسلم على التفكير، مجرد التفكير، بتطبيق هذه النظرية على كلام الحيّ القيّوم، غير مقبول حتى في الإنجيل والتوراة المحرفتين.

وبعض من أيد هذه النظرية أراد الوصول لمعنى الآية دون وصاية أحد كما يقول.

تُعامل معظم الأبحاث الغربية اللغوية القرآن الكريم بوصفه نص أدبي، وتدرسه بكافة جوانبه لأن الباحثين لا يؤمنون بقدسيته ولا يفعل مجملهم ذلك عداءً لأحد، والغالبية تتفق على عظمته وبلاغته وانعدام أشباهه، والذي يشذ عن ذلك ممن يعادي الإسلام، ولا يهمنا هذا الآن. ما يهمني أن معاملتهم للقرآن بوصفه نص أدبي شأنهم هم، لا يدركون أنه تنزيل إلهي وينسبونه إلى محمد عليه الصلاة والسلام لأنهم لا يعرفون الحقيقة ولا يؤمنون لذلك يدرسونه كما يدرسون أي نص آخر، بعلميّة وتجرّد.
أما نحن المسلمون فلسنا كإيّاهم، نعتقد بأنه كلام الله نزله على محمد عليه الصلاة والسلام ونقله لنا بعلومه الصحابة رضوان الله عليهم، فيه آيات بينات، وآيات مشتبهات يعلمها الراسخون في العلم وآيات علمها عند الله.
لكل أحد تدبر معانيه، لكن فهم تشريعه وفقهه والتفسير الصحيح لآياته ليس إلا لمن درس العلوم الشرعية على أسس صحيحة. الموضوع ليس شخصي أو تحيّز أو استعلاء لفئة دون أخرى، فهذا علم ولا يجوز لغير العالمين في تخصصهم الإفتاء فيه، وتشتد أهمية ذلك إن كان متعلقاً بعقيدة الشخص وحياته.

حتى في الترجمة، النص الأدبي لا ننقله إلى اللغة الهدف من اللغة المصدر بمستوى تأثير مكافئ إلا بعد قراءة ولو جزء يسير من حياة مؤلفه وبيئته ومقاصده ولغة عصره لندرك ما يريد من نصه فننقله.

نظرية مثل نظرية موت المؤلف جعلت “إماماً” في أمريكا يُجيز زواج المثليين ويعقده قائلاً إنه لا توجد آية في القرآن تنص على عقوبة له، أي ليس محرماً. نعم لا يوجد آية في الحدود له لكن لم تُنزل العقوبة على قوم لوط في آياتٍ كثيرات إلا بسببه. [2]

نظرية مثل هذه النظرية حصرت الحجاب (سواء الحجاب الكامل أو مجرد غطاء الرأس) على أمهات المؤمنين عليهن السلام وزوجات الصحابة رضوان الله عليهن لأن الآية نصّت على أن الخطاب لأزواج النبي وبناته وزوجات المؤمنين/الصحابة. وجمّدته في تلك الحقبة “التاريخية”.[3]

نظرية مثل هذه النظرية أيضاً أباحت الموسيقى لأنه وبنص القرآن أُمرنا بأن لا ننسى نصيبنا في الدنيا، ومن هذا النصيب الموسيقى التي لم يحرمها نص قرآني. [4]

لا أظن أن مطلقي مثل هذه الأحكام يعلمون بنظرية المؤلف وربما كانت لهم منطلقات وتوجهات أخرى، لكن إلى مثل هذه المآلات وأخطر يؤول اتباع هذه النظرية وشاكلاتها مما يفصل النص عن سياقه ومنزله، سبحانه.

حواشي:
1 للمزيد: The Death of the Author
2 الأمريكي عبدالله من أوائل من قال بذلك صراحة
http://bit.ly/1IGCD8w
2 لا أقصد مفسري الآية 59 من سورة الأحزاب، واختلاف العلماء فيها، بل مقال قديم لكاتبة أعادت قول هذا الرأي غير المعتبر حول الحجاب.
3 ذكرته كمثال، وأستغرب استماتة بعض الناس في إباحتها لدرجة “تصوّر” أنها قضية محورية عقائدية. تريد الاستماع للموسيقى والأغاني والطربيات؟ استمع لها كما تشاء، لكن لا تجعلها قضية كبرى تُجيّر الأدلة  لإباحتها وتكافح تحريمها. أحزنني الشاب الذي جعل استماعه للموسيقى من عمله بما أمره الله به، الآية 77 من سورة القصص.

نبيه: كيف تنتبه لطفلك؟


xOwpE8l8_400x400
لم تعد الجوري الخالدي إلى أحضان والديها بعد، ونرجو أن لا يصيبها مكروه وتُرد لهما سالمة معافاة، وبحسب والدها فإنه لم يغفل عنها ودخل في الصلاة لكن الخاطف استدرجها بالجوال مستغلاُ براءتها.
اختطاف الجوري يذكرني بما عملنا عليه في مشروع نبيه لوقاية الأطفال من التحرش، لحماية براءتهم النقية من عبث الخبثين.
قبل عامين، رمضان 1435 تحديداً، وصلني طلب المشاركة في إعداد محتوى حول تجارب أجنبية في وقاية الأطفال من التحرش. كنا على أبواب العشر الأواخر وكنت أحاول تجاوز حبسة الكاتب لأن لدي ما أنشغل به، ليأتي هذا الطلب يطلب محلاً.
ترددي بقبول العمل عليه كان بسبب الازدحام الزماني والنفسي، وشيء من رهبة الموضوع لأنه سيكون على الساحة الإعلامية، وإلا فهو ضمن الاهتمامات التربوية بحكم عمل امي، فقد وجدوا بعد تقديم عدة دورات توعوية حول التحرش بالأطفال جهل الأطفال بأن بعض ما يتعرضون له يقع ضمن التحرش الجنسي مثل بعض أشكال المزاح ووضعيات التصوير وغفلة الأهالي عنه، أقول غفلة لأنك لن تجد أشد من الوالدين حرصاً على أطفالهم.
مرت سنة منذ ذلك الطلب، ليتجدد في رمضان 1436، وهذه المرة للإسهام في إعداد محتوى عربي لمشروع وقاية الأطفال من التحرش الذي دخل حيّز التنفيذ وصار اسمه “نبيه” لتنبيه الأطفال والوالدين وكل مربي ضد التحرش فكلمة وقاية خيرُ من عيادة علاج!
لا صغير على الوقاية، إذ تبدأ من عمر السنتين، ولا شيء مُخجل في سبيل صيانته بالأساليب التربوية لا شك.
نبيه يقدم لك ولطفلك دورات تدريبية وقائية، للأمهات والآباء وللأولاد والبنات. ما يجب أن تنتبه له وتنبه له طفلك بما يحمي صدفة براءته ولا يخدشها، وبما يُطمئنك ولا يُفزعك.
وذلك إلى جوار مخططات معلومات (إنفوجرافيك) وحلقات سمعية قصيرة بإمكانك تشغيل بعضها لأطفالك أو إرسالها للمجموعات التربوية لتوسيع دائرة الوعي وعبارات توعوية قصيرة لكن ثمينة على تويتر وإنستغرام.

يُشرف على المشروع ا. ثامر الصالح ويُعده وينفذه مؤسسة ريادة الأفكار.

هامش:
كلما تلكأت في مهمتي، تذكرت أن كلمةً ما يسمعها الطفل أو تقرؤها أمه عبر مشروع نبيه أو عن ناشريه قد تكون سبباً في وقايته من تبعات التحرش وحفظ نفسيته مستقرة ليمر بمراحله العمرية التالية سالماً معافاً حتى يبني مجتمعاً نقياً راقياً بناءً مُنتجاً.. متفطناً لكل ما يهزّ أمنه، نشطت علّ المساهمة رغم التقصير تحفظ أطفالنا وقيادات مستقبل مجتمعاتنا.