آخر الفُرسان

الكتاب الحادي عشر في سلسلة ( 64 كتاباً )

آخر الفرسان

لا تُقصد بعض الطُّرق لذاتها بل لغيرها.

لم أعرف د. فريد الأنصاري إلا عام 1436 – 2014، لما ارتبط ذكره بجماعة فتح الله كولن، كُنتُ أظنّه شاباً حركيّاً إذ وجدت من بين أعماله التي تركّزت على البلاغ القُرآني روايتين؛ ومن عادة الشباب الإسلامي المُتحمس أن يُصدّر الروايات التي تدخل تحت مسمى “الأدب الإسلامي.”

علاقتي بالروايات العربية عموماً متوترة، فأثار فضولي هذا الشخص: مُتخصص في أصول الفقه، ويعتني بالتربية القرآنية وأخيراً يكتب الرواية.

بحثت أكثر فوجدته قد كتب رواية “آخر الفرسان” حول شخصية “بديع الزمان النورسي” خلال فترة تردده على تُركيا للعلاج. “ما الذي يدفع من يُصارع المرض لكتابة رواية وعنده ما عنده من العلم ليشتغل به ويورّثه؟” قرأت الرواية لأجيب على هذا السؤال – ولم أتوقع أنها من أواخر ما كتب، رحم الله الكاتب وبطل روايته.

تعمدت أن أبتعد عن كل ما قد يُحرق الرواية لتكون تجربة القراءة خاصّة؛ بيني وبين الكاتب. وإذ بي أبدأ الرواية بانطباع وأنتهي لانطباع آخر.

تدور “آخر الفرسان” حول الأستاذ بديع الزمان النورسي، أو سعيد النورسي، صاحب رسائل النور، الذي عاش إبّان سقوط الدولة العثمانية وبداية الاجتياح الأتاتوركي العلماني وتمزق العالم الإسلامي. إذن كل ما ذُكر من حقائق وتاريخ وأسماء كان فعلاً في الحقبة التي شهدها بديع الزمان، وقد اعتمد د. فريد الأنصاري على الوثائق والمخطوطات وزار بنفسه المواطن التي مرّ بها أستاذه ليصوغ الرواية العذبة عنه.

أقول عذبة لأنها تنقلك لعالم أدبي مُختلف؛ إذ تتعرف بالبداية على سعيد النورسي ثم تتنقل معه بين مقامات رحلته وتشكّله إلى سعيد الجديد، أو بديع الزمان، في نشر رسائل النّور، تلهث، تدعو، تخاف، تنتشي، تُخذَل وربما بكيت، تتقلب في الحقول، ويُشنّف أُذنيك الأذان، ترتجف من برودة السجن، وتترنم مع التراتيل، هذ عدا عن اللغة الصوفية التي لم أعتدها -ولم تعجبني بدايةً، ووجدتها مختلفة عن لغة الكُتّاب لما توسّعت المجتمعات العربية على الإرث التركي ومجتمعه.

الرواية قصيرة، ولم يقصد بها د. فريد الإمتاع مجرّداً، بل فيها حفظ لسيرة هذا المُصلح الاجتماعي الذي عمِل على تربية أبناء القُرى وإشعال قناديل النور في صدورهم لينيروا بها تُركيا والعالم إذا ما كَبروا. كان يعتقد أن الإصلاح السياسي لن يتم ما لم يصلح الأفراد والمجتمعات، وهذه هي دعوة رُفقاء رحلته الإصلاحية في كل قُطر وزمان.

قُبض د. فريد الأنصاري إلى باريه بعمر التاسعة والأربعين، وكان مما نقله على لسان بديع الزمان النورسي:

صحيح أن الأربعين هي لحظة القوة والشدة من عمر الإنسان، ولكن أليست هي لحظة البدء أيضا لخطوة الانكسار من مخطط عمره المحدود؟ ألبست هي بدء العد العكسي في اتجاه النهاية؟

ولم تزل فكرة سن الأربعين تشغل بالي حتى كتبت “ماذا بعد الأربعين؟”

الرواية مُناسبة للجميع، خصوصاً الشباب المُتحمس للتغيير وقليل وروده على المعين القرآني. وإذا ما أتبعته بكتاب “بلاغ الرسالة القرآنية”،  ستتكامل لديك رسالة د. فريد الأنصاري في دافع صرفه النظر عن الانشغال بالإصلاح السياسي إلى الإصلاح الاجتماعي. وانتبه أنك ستقرأ رواية عن شخصية؛ لن تخلو من المبالغات، لن يخدعك بها د. الأنصاري إنما نقل لك ما وَجد لهذا الرجل من مكانة في نفسه.

آراك

ربيع الأوّل، 39هـ

 

2 thoughts on “آخر الفُرسان

  1. ماذا بعد الأربعين؟
    سؤال مؤلم يا الله البركة في كل شي اعمارنا واعمالنا وخطواتنا ونياتنا

    متحمسة لقراءة مقالك يا آراك
    لم تنشريه بعد؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s