تلك العتمة الباهرة

الكتاب العاشر ضمن سلسلة ( 64 كتاباً )

تلك العتمة الباهرة

ما السجن؟

أغلب مدخلاتنا الذهنية عن السجن وحياته عبر الأفلام العربية وأفلام الكرتون. حين تُمنع عنك الحُريّة وتعامل رقماً لا إنسان. ولا تنفك عن ذهني صورة “الطعام يُسكب على أرض السجن” كأقصى إهانة يواجهها السجين.

لا أحفل كثيراً بالروايات، لا سيّما العربية، ولم أتحمّس كثيراً للقراءة في أدب السجون لأنّي أفضّل الاستماع لها – للحكايات التي نُقلت عمّا يحدث في سجون نظام صدّام حسين أثرها في ذلك – ثم بدأت أتحاشاه لأن فكرة أن الفظائع التي توصف لك مهما بلغ ذهنك في تخيّلها هي أفظع. وغالباً ما تُحكى في قالب روائي – رواية – حتى لا  يُلاحق الشاهد أو الروائي قانونياً.

في مثل هذا الوقت منذ عامين لفتتني رواية “تلك العتمة الباهرة” للروائي الفرنكفوني الطاهر بن جلّون وترجمة بسّام حجّار. كان السؤال: لماذا اختار “العتمة الباهرة” بينما الترجمة الحرفية “الغياب الأعمى للضوء”؟ .. ما كان يُثبطني عن قراءتها أن تجربتي في قراءة الأعمال المترجمة عن الفرنسية لم تكن موفقة – سيئة بتعبر أدقّ، ولم أقرأ فيما قرأت أفضل من تراجم المغاربة سواء عن الفرنسية أو الإنجليزية، تماهيها مع الأصل في القالب الجديد – اللغة العربية – مُبهر بالنسبة لي.

بدأت القراءة ونيتي أن أنتهي عند معرفة سبب اختيار “العتمة الباهرة”. الرواية مبنية على شهادة أحد الناجين من سجن تزمامارت المغربي، حيث بدأت أحداثها ١٩٧١ فيما يُعرف بـ “انقلاب الصخيرات” وانتهت ١٩٩٠ تقريبا، لكن لم تُنشر إلا في ٢٠٠٠، بعد عام من وفاة الملك الحسن الثاني الذي حدثت خلال حكمه تلك الفظائع. كلما قرأت جزءاً منها سردته على امي، وهي بدورها كانت تطلعني على خصائص تلك الفترة التي كانت تتابع أخبارها لتطلب مني لاحقاً التوقف عن القراءة لأنها تعذيب نفسي!

مما وصفه الشاهد البرد القارس، خجِلت من نفسي وشكواي من برودة الأجواء وعندي كل سبل التدفئة، وصرت كلما هممتُ بالشكوى تذكرت مساجين تزممارت واللحاف الخفيف الذي مزّقته الأيام والآلام والزنزانة الحجرية. كذلك الطعام، الأصدقاء، العائلة، وحسّ الأم.

لفتني أن القراءة في سالف أيامه جعلته حكواتي السجن – وهي مما أعانه على تحمل ظروف الاعتقال – كما موقفه من الحقد على من ورّطوه في الانقلاب وتوقفه عن استدعاء الذكريات، وتمسّكه بالصلاة رغم أنه تركها منذ فترة طويلة وفعل ما فعل زعماً أنه يستغل شبابه

ختمت الرواية وقد شارفت على البكاء في مواضع، وطفرت منّي دمعات في أُخر .. ولعلها آخر ما أقرؤه عن السجون إذ يُقال إنها لا شيء عند بعض الروايات العربية الأخرى ولا الأوروبية. لم يكن الألم الجسدي وحده الذي سرى فيّ، أو تخيّلته كذلك، بل أيضاً مرارات الخذلان والاستهتار بالأرواح واستغفال المُخلصين، كلّ من اعتقلوا كانوا من الشُبّان المُميزين في القطاع العسكري في المغرب آنذاك. وجدت عدة مقابلات ومقالات للأسماء والشهود المذكورين في الرواية .. رغم فظاعة ما تخيلته، ما رووه كان أفظع.

مع ذلك أُحب أن أُشير بها للمراهقين والفتيات، ليحيا قلبُ المراهق وتعي الفتاة الحياة. أما بسّام حجّار، فقد انضم لزمرة مترجمّيّ المفضلين. ويُرى أن تُقرأ رواية السجينة لمليكة أوفقير لتتكامل صورة ما حصل تلك الفترة للمتورطين فيها من النساء والرجال.

سلسلة شاهد على العصر مع أحمد المرزوقي أحد سجناء تزمامارت

سلسلة شاهد على العصر مع صالح شحاد أحد سجناء تزمامارت – عرض نموذج للزنزانة

أما عزيز بنبن – بطل الرواية – فلم أجد له إلا مقابلات فرنسية.

آراك

صفر 39هـ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s