وسعك سعتك

تتشكّل في ذهنك بعض المفاهيم والتصورات فتتعامل مع الحياة وفقاً لها، ثم إذا تصححت لا يمكنك أن تراها إلا بنسختها الصحيحة، حتى تتساءل: كيف يُشتبه مثل هذا الخطأ؟

“لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها”، الآية الخاتمة لسورة البقرة، أطول سور القرآن، من الآيات التي يستشهد بها الناس للتعبير عن أن الجُهد الذي تبذله في أمر ما هو ما تقدر عليه، وغالباً ما يكون أقل القليل؛ أي تبذل القدر الذي تريده وتعرفه من الجهد، وليس ما تقدر عليه حقيقةً، وتُغفل بعض ما يتعلّق بخصائص هذه الآية، أهمها أن الله لا يضع أحداً في موقف إلا وهو يقدر على اجتيازه؛ وهذا ما أفاده الحصر بالآية.

ولاعتيادنا اختيار ما يتوافق مع ما يُيسر لنا الحياة وتكاليفها، غفِلنا أيضاً عن ارتباط الأدعية التي تضمنتها الآية بافتتاحيتها: “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا، أنتَ مولانا فانصرنا على القوم الكافرين”

لا أدري كيف لم نُدرك أن هذا الدعاء العريض في الاعتذار وطلب العفو والتجاوز وطلب التفضل لا يخرج إلا من النفس التي بذلت أقصى جهدها – حين كلّفها الله بأحد الأقدار- ولم تتكّل على عملها لذا طلبت من مولاها أن يغفر عن الخطأ الذي لم تقصده والنسيان الذي قصده. وأن هذه الآية الاعتذار/ الاعتراف أتت ختاماً لأطول سورة بأحكامها وعقائدها وقصصها، مما كُلّف به ابن آدم الذي شهد الرسالة المحمّدية، ولن يُكلّفه الله إلا بما يستطيع.

خلال إجازة منتصف العام الماضي كُنت أفكّر بالمهام التي سأُكلّف بها الفصل الثاني. لم يهدأ لي بال حتى في غمرة انشغالات أخرى، فخطرت لي مُحاضرة قديمة للدكتور سلمان العودة. ذكر في تلك المحاضرة المعنى الصحيح لـ “لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها” وهو ما ذكرته مجملاً أعلاه. تأتي تلك الخاطرة في ذلك الوقت تحديداً لتقول أياً ما كان الذي سيُقبل على الإنسان، لن يكون إلا في نطاق السعة – إلى أقصى السعة  من المصابرة والعمل – التي منحها الله له؛ لا أقل مما يقدر عليه ولا أكثر.

لذلك كل الحلول المطروحة – خلاف المواجهة – ليست ضمن حسابات الوِسع الذي قُدّر لنا، ويتسّع نطاقه مع كل قدر.

مرّت هذه الخاطرة، وبنهايتها انتبهت لقائمة التشغيل على يوتيوب تبدأ بمحاضرة لنعمان علي خان عن المستويات الثمانية للشخصية. ويا للأقدار، تناول مفهوم “لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها” تناولاً منظّماً ومُلهماً:

ليلة عيد الفطر الماضي انشغلت خلال إقامة صلاة العشاء في المسجد، فُقدّر أن أسمع الإمام يتلو الخواتيم مع صوت متحشرج. بعدما أدّى ما عليه خلال رمضان من التراويح والقيام، أخذ يعتذر إلى الله. ولو تأملنا لجعلنا ذلك منهج بنهاية كل عملٍ تعبّدي أو دنيوي ليطمأن القلب إلى أقداره وتبذل النفس وسعها.

3 thoughts on “وسعك سعتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s