القاعدة الأخيرة: العائلة أولاً


       مئات المقاطع المرئية والمقالات والتغريدات والكتب تؤكد على أهمية اتباع الحلم والتخطيط لكل ثانية في اليوم وأن التقدم لا يكون إلا بالعمل الجاد المتواصل وتكوين العلاقات العامة بالإضافة إلى أهمية خدمة المجتمع والارتقاء بالآخرين. تركز هذه المواد على الفرد: استقلاليته وإثباته لقدراته ومجتمعه: نفعه وتطويره، إلا أنها غالباً ما تغفل الدائرة التي تحيط بالفرد قبل المجتمع، الدائرة التي احتضنته أولاً وبينها تقلّب قبل أن يشب عن طوقها. دائرة المقربين أقصد بمستوييها: مستوى العائلة (المقربة والممتدة) ومستوى الأصدقاء المقربين.
       لم أجد  حقيقة فيما قرأت ما يفسّر هذا القفز المتعمّد لدور العائلة والأصدقاء في سياق الإرشاد المهني والتطوعي، وأذكر نقاش دار بين مُحاضرة وزميلة حيث كانت الأولى”توبخنا” على مستوانا الثقافي العام وتُرجعه إلى علاقاتنا الاجتماعية “الكثيرة،” لتقف الثانية وتقول: we need to socialize! we are human begins! أي: نحتاج للاختلاط بالناس، فنحن بشر! لترد الأستاذة: No, you need to focus on your study, not on your social relationships أي: بل تحتجن للتركيز على الدراسة وليس على علاقاتكن الاجتماعية.
       وإن كنت لا أؤيد المبالغة في التواصل الاجتماعي، إلا أن ما ذكرته الزميلة واقعي. العلاقات الاجتماعية حاجة.
       التركيز على العمل والتطوع وغض الطرف عن العائلة والدائرة المقربة أو الهروب بالأصح شائع في الكتب الأجنبية الغربية، فلم أطلع على الشرقية، وأراه انتقل للأسف بين أوساطنا نحن المسلمين أولاً العرب ثانياً، إما عن طريق متلقي هذه المواد الرسمية مباشرة فأقرؤها في المقالات وأشاهدها في الدورات، أو تسربت عن طريق المواد الترفيهية حيث الحياة أروع خارج المنزل، فألاحظ رغبة المراهقين أو العشرينيين ذكوراً وإناثاً في الوحدة -الابتعاد عن العائلة- والتذمر من العلاقات الاجتماعية أو ما يسمى “المواجيب”
       هذا الأسلوب شاع في المجتمع الغربي؛ أقصد الاستقلال التام عن العائلة وإهمال تنمية العلاقات الاجتماعية الشخصية حتى صارت البنية الاجتماعية مهلهلة فلا تكاتف ولا مساندة وزاد أعداد زوار العيادات النفسية وانتشرت أعراض الاكتئاب وارتفعت أعداد المصابين به [1]، وألاحظ وإن لم تكن ملاحظة مكثفة، توجه لإعادة بوصلة الحياة.
مآل هذه النزعة مُخيف، حساب سكان نيويورك عرض قصص لبعض من تبنوها خلال مراهقتهم وبدايات الشباب، أن تصل للأربعين والخمسين بنجاح مهني مُبهر، لكن لا أحد إلى جوارك يحتفل به معك احتفال حقيقي، لا أحد تصل الله بصلته، لا أحد يحتمل نزقك ويذكرك بطيشك فتتضاحكان، لا أطفال عائلة  تزن كلمتك ورأيك أمامهم، لا كبار سن يدثرونك بحبهم،لا أحد يسمر معك ليالي الصيف وتسهر معه حتى فجر العيد، بالمناسبة، أعلى نسبة انتحار سُجلت بعد انتهاء موسم الأعياد بسبب الاكتئاب الحاد الذي يصيب المنتحرين.
       ولعل من أوائل ما قرأته حول ذكر العائلة في سياق مهني ما ذكرته صاحب  كتاب “قواعد العمل The Rules of Work” وأستطيع اعتباره كتاب مهني أخلاقي! [2] مما يؤكده في قواعد التخطيط والعلاقات أهمية العائلة، فهو حين ينصحك بالتخطيط قصير المدى وبعيده، يذكرك أن ترتبه وفقاً لارتباطاتك العائلية من إجازات سنوية ولقاءات أسبوعية  وبحيث لا يتعارض مع الأحداث المفاجئة مثل اجتماع الآباء في مدرسة ابنك ولا تتنازل عن المواعيد العائلية لأجل العمل إلا عند الضرورة القصوى، ولو فعلت عليك التعويض، وفي موضع آخر يؤكد أن لا تخلط بين شؤون العمل والمنزل، واستمتع بهما في مكانيهما، ولا تعمل في المنزل فهذا وقت العائلة! واقتباسي المفضل منه قوله:
العمل، مهما حصل، يظل عملاً، ليس أهم من صحتك ولا حياتك ولا عائلتك ولا أطفالك.
       هل تعلم متى سنجني ثمار طريقة تعاملنا مع عائلاتنا وأصدقائنا، سلبية كانت أو إيجابية؟ في لحظات الوحدة ومواقف الحزن التي لابد منها، وحين تخبو قوة الشباب الجسدية، وتبدأ الروح بالبحث عن الصفاء والهدوء والطمأنينة. وهذا ما توصلت إليه دراسة أجرتها جامعة هارفرد مدتها 75 عاماً [3]. تصور، دراسة استمرت طيلة هذه العقود لتخبرنا ما الذي سيحل بنا حين نشيخ، وأن شيخوختنا انعكاس ما فعلنا في شبابنا، مع عائلاتنا وأصدقائنا ومجتمعاتنا تحديداً. لا يعني ذلك أن النجاح المهني سيء، لكنه لا يعني أبداً أنه لا يتحقق إلا إذا انفصلت عن مقربيك.
       براء أشرف، شاب مصري رحل عن عالمنا قبل بلوغه الثلاثين، قبل رحيله الذي لم يحسب حسابه كتب تدوينة عن عمله وهو من الناجحين الفائقين فيه، المؤسف أنه ركّز في حديثه عنه عائلته وعلاقاته الاجتماعية [4]، فماذا عساه يقول لو بلغ الستين وهو على هذه الحال؟ رحمه الله رحمةً واسعة..
       لا أتوقع أن تكون كل العلاقات العائلية والاجتماعية مثالية بطبيعة الحال، وهذا محال، لكن يمكن تحسينها بقاعدة “سددوا وقاربوا،” وأقربها وأهمها ما كان مع الوالدين والإخوة، المهم أن نعمل على تحسينها فالندم، فيما قرأت، بحق النفس في الشيخوخة مرير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ذكرت شيء من ذلك دكتورة علم النفس العيادي في كتابها The Defining Age | لقراءة ملخصه بالعربية
[2] بالإمكان قراءة ملخص الكتاب بالعربية هنا
[3] المدير الرابع للدراسة ظهر في إحدى فعاليات تيد. ترجمتُ كلمته هنا

[4] تدوينة براء أشرف: عملي الذي دمّر حياتي

مشكلات الفلسفة لـ برتراند راسل


ملاحظة: اقفز فضلاً للفقرتين الثانية ,الأخيرة فهما ما يتناول الكتاب مباشرة، فقد بدأت كتابة التدوينة لأخبرك عنه لكني حوّرتها لتكون تجربتي معه.

CYG7U57WMAECncl

حين أرى من وصل عمر السبعين وما بعدها، أفكّر: هل ظنّوا أنهم سيبلغونها يوماً؟ ما طعم ذكرياتهم؟ ما قيمة الأشياء الآن؟ هل ما كان شجاعةً في الشباب أثبت حماقته عند المشيب؟ هل كشفت مرارات الشباب لهم عن خيراتها؟ كيف كانت تصوراتهم عن هذا العمر؟ كيف السكينة والطمأنينة؟ … وغيرها من الأفكار والتساؤلات التي تندرج تحت تساؤل: ماذا  بعد سن الأربعين؟

برتراند راسل، إيرل ويلزي يُعد إنجليزياً لأنه عاش معظم حياته في إنجلترا، عاش 98 عاماً، فيلسوف ورياضي عبقري. ألف كتب في الرياضيات والمنطق والفلسفة، وهو أحد مؤلفَيّ كتاب مبادئ الرياضيات Principia Mathematica، وكثير من كتبه مترجمة للعربية [1]، ترجمات قديمة بعضها نفد من المكتبات القديمة حتى، وقد توقفت كثيراً عند عمره الذي عاشه ومراحله التي مرّ بها.

وصلني كتابه The Problems of Philosophy الذي نشره عام 1912 -بعمر الرابعة والأربعين- من دار عالم الأدب -مشكورةً- لترجمته، اطلعت عليه وتحمست له لعدة أمور:

  • كاتبه إنجليزي.
  • سأقرأ كتاباً يُنظّم لي مبادئ الفلسفة، بعد قراءات متبعثرة.
  • أهمية الكتاب في مجاله وكونه مما نفدت نسخ ترجمته فاحتاج لإعادة الترجمة.

أرسلت موافقتي للدار وأجلت العمل عليه قليلاً لأني كنتُ قد بدأت -قدراً- بحثاً لغوياً حول أحد مواضيع القرآن الكريم.

استلزم البحث اللغوي قراءات في عدة علوم أهمها التفسير، مع بعض الأبحاث والدراسات الأجنبية، وقراءة متكررة تحليلية للآيات القرآنية.

بدأت ترجمة الكتاب ولمّا انتهيت من ذلك البحث، وبطبيعة الحال استلزم مني قراءات منظمة أيضاً في المذاهب الفلسفية وعلمائها وما إلى ذلك من مواضيع فلسفية. فالكتاب مُعد لطلبة الفلسفة، يبدأ راسل بمثال، ثم يتدرج في شرح المفاهيم الفلسفية ويعرض آراء الفلاسفة وعلاقة الفلسفة بالعلوم وهل هي علم أم عملية عقلية مجردة والفرق بين الفلسفة والمعرفة وما إلى ذلك من شؤون فلسفية.

تبددت حماستي خلال قراءة الكتاب والقراءات الجانبية واستحالت إلى شعور بالقتامة، لا أدري إن كان هذا مصطلحاً عربياً لكني أستخدمه للتعبير عن شدة الضيق في الروح وسوداوية مقيتة، وكادت تطفر مني دمعات في مواضع.

الكتاب ليس وجدانياً طبعاً، وكل المواضيع التي تناولها تناولها بحياد لأنه مدخل للطلبة حتى مفهوم الرب ووجوده تناوله كما يراه بعض الفلاسفة [2]، لكن في القراءات الجانبية حين تقرأ أن فيلسوفاً يقول إن الرب يرى الأشياء مادام فاتحاً لعينيه وتغيب عنه إن أغمضها كما نفعل تماماً، وهو القول الذي توصل إليه بعد تفكّر في وجود الأشياء، تتساءل: إن كان يغيب عن الرب -جل في علاه- الذي أمامه، من يدبر الكون؟ ولِمَ خلقه أصلاً إن عجز عن تدبير الشيء إلا إن كان تحت عينه؟ فيمر بخاطرك اللطف الذي شملك به في مواقف الخطر المحدق، وآية الكرسي التي تثبت أن لا سنة له ولا نوم سبحانه..

حين تصل مرحلة عرضه مفهوميّ الزمان والمكان، وتقرأ جانبياً أيضاً أن بعض الفلاسفة أنكر الغيبيات لأنها لا تحصل في زمانه ومكانه الذين يُعرّفهما مما يعني انعدام الإله، وتعلم أن حيّز الغيبيات ليس كحيّز الحياة الأرضية فلا معنى للمقارنة وتجاوز ما لا يدركه عقلك، تدرك عظمة التوحيد الذي يشترط عليك الإيمان بها التي لا تدرك كُنهها وتصدقها الخبر وترى أثر بعضها [3]

خلال القراءات الفلسفية تدرك يقيناً وبالتجربة الفرق بين الظلمات والنور في “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور” .. الظلمات ضلالات في كل وادٍ، عينان معميتان، تيه في المسير، والنور واحد، واضح، مُريح ومستقيم، مهما ملت فما زلت تبصر لتعود.

لا أظن أن هذا الأثر سيكون لو لم تسبقه تلك القراءات في العلوم القرآنية، وحين تواجه نفسك بحقيقة أن الله أنزل لك الدين ليكفيك صراع مآلات الأسئلة الميتافيزيقية التي لا يحيط بها إلا هو سبحانه، فالفلاسفة بمجملهم لم يطرحوا أسئلة الألوهية عبثاً بل كانت نهاية مقدمة الأسئلة المعرفية التي ألزموا أنفسهم بإجاباتها، وأذكر في ذلك الحديث “لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟” [3] ، هذا لا يعني أنهم منكرين لوجود الله سبحانه، بل معظهم يؤمن به.

انتهيت من ترجمة الكتاب واستأنفت البحث اللغوي، قرأت الآيات كما لم أقرأها من قبل، يدبر الأمر، اللطيف الخبير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، “ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً..” ، “ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور” … ، كيف يا رب حال من وصل أرذل العمر ولم يعرفك؟

يقول راسل، وهو محق، إن كل العلوم بدأت بفلسفة، وهو طرح السؤال والبحث عن إجابته ثم استخلاص القوانين والأُطر العامة وبعدما اتضحت معالمها صارت علوماً مستقلة، ولن تستمر في توسعها ما لم يواصل علماؤها الفلسفة/طرح الأسئلة وطرح إجاباتها. وفي هذا الجانب يقول أيضاً أن ما لكل الأسئلة إجابات يعرفها الإنسان، وما كل سؤال تجب إجابته، تغير المذاهب والآراء وتنوع المكتشفات منذ عهد أفلاطون حتى الآن يثبت لنا ذلك، وليس من الفلسفة تعقيد المواضيع والجدل فيها.

هل أنصح بقراءة الكتاب؟ نعم، ولحسن حظك أني قد ترجمتُه حتى لا يفوتك الخير الكثير ( : .

هل سأكرر ترجمة كتابٍ من هذا النوع؟ بكل تأكيد، إن أذن الله.

هل الكتاب كئيب وشائك كما يُوحي به الغلاف؟ لا ، بل يسلط الضوء على ما هو أساسي ورئيسي في الفلسفة بطريقة تحليلة منطقية مفهومة بلا تعقيد، وهو ما اشتهر به راسل، كما يصحح مفهومك للفلسفة وبالتالي نظرتك لها.

يتكون من 15 فصلأً، كالتالي:

  1.  بين المظهر والماهية
  2.  وجود المادة
  3.  طبيعة المادة
  4. المثالية
  5.  المعرفة بالدراية والمعرفة بالوصف
  6.  حول الاستقراء
  7.  حول معرفتنا بالمبادئ العامة
  8.  إمكانية المعرفة القبلية
  9. عالم الكلّيّات
  10. حول معرفتنا بالكلّيّات
  11. حول المعرفة البدهية
  12. الصواب والخطأ
  13.  المعرفة والخطأ والرأي المحتمل
  14.  حدود المعرفة الفلسفية
  15.  قيمة الفلسفة

الكتاب سيكون أول مرّة على رفوف دار عالم الأدب في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

حواشي:

[1] قائمة كتب برتراند راسل وسيرته الذاتية

بالإنجليزية: http://bit.ly/1RXYTMA

بالعربية: http://bit.ly/1OpKOF8

[2] لم يذهب راسل بعيداً في الغيبيات كالجنة والملائكة والشياطين والشر والخير لموقفه منها ولعدم حاجة طلبة الفلسفة لها في هذا المستوى، ولم يناقشها طبعاً دينياً في عرضه العارض.

[3] من لطيف ما عرضه راسل أن الشيء يُدرك وإن لم يُرَ، ولا يُشترط في وجوده رؤيته عين اليقين، وهو بهذا وبطريقة غير مباشرة يُثبت وجود الإله الذي ينكره فلاسفة آخرون سواء إنكار كُلي أو إنكار الكُنه المختلف، جل في علاه.