تربّص قياس [2]

في كل مرة ينجرف فيه أي حديث جماعي إلى فقرة اختبار القدرات ألاحظ اندفاع السيالات العصبية على هيئة عبارات وحركات تهزّ صفو الود الذي خيّم على الجلّاس قبلها وتظل تردد الأمهات والطلبة أنه نوع من الاستقعاد الذي يُقعد الطالب عن مستقبله. السؤال الذي لا يفارقني خلال ذلك:” تبغون مستقبل أي شي؟!”

اختبار القدرات عتبة حتمية لدخول الجامعة، بغض النظر عن رأيك حوله وموقفك منه، لابد لك من اجتيازه لتدخل التخصص الذي تريد في الوقت الراهن، لكن لماذا هو قبل الجامعة؟ لماذا المسؤول عنه أصلاً وزارة التعليم العالي لا وزارة التربية؟

أشهر شكويَين في التعليم العام هما التلقين وقلة التجهيزات. وأشهر مصيبتين في التعليم الجامعي هما الأبحاث والأنشطة. تعارض المخرجات مع المتطلبات يُبطئ عمليات التعلّم ويستنزف ما يستنزفه في إعادة تأهيل الطلبة في سبيل إعدادهم مهارياً وذهنياً للتعامل مع التخصص العلمي الذي اختاروا استغراق أعمارهم القادمة فيه. لذا، وتسريعاً لهذه العمليات فرضت وزارة التعليم العالي اختبار القدرات، الاختبار الذي يُرشّح بطريقة مباشرة الطلبة الجامعيين، ويحفز بطريقة غير مباشرة ذهن الطالب باستمرار ليكون مستحضرا جميع القدرات التي تعلّمها منذ الأول الابتدائي وحتى الثاني ثانوي. انثروا هذا الكلام الإنشائي في الهواء، ولننظر إلى الواقع، هل يختبر قياس القدرات التي يحتاجها فعلاً طالب الجامعة؟ لـ نستفرد أولاً بالقسم اللفظي. كلنا عرب، وكلنا نفهم الكلام العربي، وكلنا قرأنا الكتب الدراسية وحفظناها عن وجه قلب، لِمَ الاختبار اللفظي إذن!

 استيعاب المقروء: ما كل من يقرأ يستوعب ما قرأه، افرض مثلاً أن لديك تكليف بقراءة بحث من 20 صفحة، طلب فيه الدكتور أن تكتب أهم النقاط التي وردت فيه وما فهمته منه، إن كنت تستطيع ذلك، لِمَ تضيق ذرعاً بهذه الأسئلة في القدرات؟ عدّها من الدرجات المجانية التي ترفع مستواك إن كان ولابد (:

إدراك الخطأ السياقي: سُعدت أيما سعادة لما علمت بإضافة هذا النوع من الأسئلة للقدرات. لأنه يقيس قدرة الطالب على “ترشيح” المعلومة التي تصله (حين يُلقيها المُحاضر في الجامعة مثلاً)، ثم تحليل المتاح ثم التصويب الجازم. ما حاجة العلم لمن يعرف الخطأ لكن لا يستطيع تقديم البديل؟

التناظر اللفظي: وهذا من أمتع الأقسام إذ فيه يستنتج الفرد العلاقة بين فكرتين، ثم يقيسها على غيرها حتى يجد ما يطابق أسسهما، وهذه القدرة إذا ما كانت عالية تفيد الطالب الجامعي في ربط أفكار تخصصه ببعضها وتجاهل الغريب عنه لينظم تركيزه واستيعابه للعلم.

إكمال الجُمل: في الحياة الجامعية ربع الجهد على الأستاذ وثلاثة أرباعه على الطالب، العملية أشبه ما تكون بلعبة البزل: الأستاذ يضع قطعة، ثم يبحث الطالب عن القطعة المناسبة مع ما وضعه الأستاذ، ثم يضع الأستاذ قطعة ثم الطالب قطعة، وهكذا حتى تكتمل لوحة التعلّم؛ الأستاذ يضع أساس والطالب يبني عليه. فإذا لم يعرف الطالب كيفية التوفيق بين المطروح وبين المطلوب لبعثر وقته وجهده وعلمه، وهذا ما يُقصد به من اختبار “إكمال الجمل”: مستوى القدرة الذهنية على ربط الموجودة بالمحتمل المفقود.

ولأن جميع هذه الأقسام تختبر قدرات مكتسبة، فإنه يمكن تعزيزها عبر استيعاب أساسياتها وتعويد عضلات الدماغ عليها، ما دُمت تؤمن باستحقاقك لكرسي في الجامعة، اعمل لذلك ثم أثبت وجهة نظرك حول اختبار القدرات، التي ستغيرها حتماً ( :

هامش:

يعجبني شرح ا. ياسين رمضان للتناظر اللفظي.. بالرغم من أني اختبرت اختبارات قياس عدة مرات، إلا أني ذُهلت من طريقة تحليل العلاقات، لم أُدرك أني أُدرك كل هذا!

One thought on “تربّص قياس [2]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s