ولله في خلقه شؤون

جلست في مقهى كلية بعيدة لأراجع مادة اختبار سيعقد بعد أقل من ساعة. جلست إلى الطاولة المجاورة مجموعة فتيات لم أستطع تحديد الموضوع الرئيسي الذي يتناقشن حوله لتتابع أحاديثهن الذي لم أحرص على متابعته، إلا أن إحداهن كانت تصم أذني كلما تحدثت فقد كان صوتها عالياً جداً يشي بروح منفعلة وغاضبة وناقمة.

رفعت رأسي لأتابع أحد المشاهد وأرى تلك الفتاة. عرفت أنها مكافحة، الشعر والبشرة وطريقة وضع الزينة تشي بالكثير، اشتد انفعالها حين أخبرتها زميلة أنها ومجموعتها اخترن موضوع بحثها الأصلي وبررته بأنه جاهز عند زوجها. البحث كان عن موضوع علمي دقيق، فتأملت تلك الزميلة التي لم تبدي أي رد فعل ولم أجد اتساق بينها وبين المجموعة وبين ما قد وصفته ثم حدّثت نفسي بأن لله في خلقه شؤون.

عدت لأوراقي، ثم صمّت أذني مرة أخرى حين أكدت لهن أنه لا يمكن شرح الواجب نظرياً، لأنهن لن يفهمن إلا أمام الحاسب، ومستحيل أن يفهمن بغير ذلك وأصلاً ولا واحدة منهن تعرف عنه. كانت تدافع عن نفسها ضمنياً وترسل رسالة أنها لن تبذل من وقتها ما دمن لم يراعين جهدها. تزامن ذلك مع حضور زميلاتهن الأخريات. عدت لأوراقي مرة أخرى، فانتبهت أنها غادرت الطاولة حين ابتعد صوتها معها، ولعل أذني هدأتا بعد ذلك.

بعد برهة قصيرة علا صوت إحداهن بكلمة “متخلفة”، كان هذا وصفها لزميلة قالت لها في مجموعة الواتس أب أنها متخلفة لأنها لا تشجع فريق وطني -إبّان مباراة الهلال وسيدني-، أتبعت تلك الكلمة بشتائم أخرى مخجلة، ثم بينت مرة أخرى أنها غير متخلفة ولا قليلة أدب مثل تلك. فرفعت رأسي لأتأملها، نحيلة ومهندمة وتتكلف اللهجة البيضاء، ولله في خلقه شؤون.

انضمت إليهن أخيراً زميلة بدا لي من صوتها أنها أعقلهن، حكت قصة أهلها مع خسارة المباراة، لملمت أشيائي لأصل قاعة الاختبار في الموعد فلمحتها، فرددت لآخر مرة: سبحانه له شؤون في خلقه..

كانت هذه المجموعة من طالبات برنامج تربوي، بت أتساءل عن نوعية التربية التي ستتلقاها صغيراتنا، التربية عملية تراكمية، كيف تُربّي وأنت لم تتربَّ؟

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s