رحلة #حج_1433


ويقول لي يانائما جـد السُـرى
عرفات تجلو كل قلـب صـادي

من نال من عرفات نظرة ساعة
نال السرور ونال كـل مـرادي

رحلتنا لحج العام الحالي رحلة تاريخيّة، رحلة حتّى لم تمرّ على والديّ اللذين كانت حملة حجّهما ( قطّة ) مع خالاتي وأزواجهن. رحلة سأذكر مقدّماتها يوماً ما بإذن الله، وقد كادت أن تجعلني أحلف عن الحج مرّة أخرى ( أصلاً من قضى فرضه قضب أرضه، وشو له الواحد يكررها .. إلا يترك المجال لغيره ).

استلمنا جميع متعلقاتنا من الحملة بما فيها التصاريح وتذاكر الطيران وحقائب السفر، وصلنا جدّة بالطّائرة قبل أذان عصر اليوم السّابع بقليل، وخلال رحلة الطائرة كانت أمّي تكرر ” هاه! قلتوا فإن حبسني حابس؟! تراه حجّ!” ركبنا حافلة الذهاب لمكّة، كنت أظّن أن الرحلة ستطول بسبب التدقيق على التصاريح، إلا أنّ عدّة طرق مختلفة عُبّدت لمرور الحافلات حتّى لا تزاحم السيارات الصغيرة ولا تغلق الطريق يسّرت مهمة التدقيق ولله الحمد. وصلنا الحرم وقد أذّن المغرب، وأُقفلت أبوابه، لذلك قضينا عمرتنا بعد الصّلاة، كانت خالتي تمشي بسرعة وبدأت الشوط الأول بمشي أقرب للهرولة – وبالمناسبة، النّساء لا يرملن في الطواف والسعي – فلمّا استبطأتها أمّي قالت ” الباص قال 10:30 ونمشي!” فردّت أمي ” ومصدقته؟! ونقضي عمرتنا أي كلام عشانه؟! ” . انتهينا من العمرة بحمد الله قبل الساعة 10:30، وبدأت بوادر الحوادث بحافلات الأنفاق التي تنقل من الحرم إلى خارجه، تقف أكثر من حافلة حتّى إذا بدأنا الرّكوب قيل امتلأت، ثم تبعنا إحداهن حتّى منتصف النّفق، ركبنا وفي أقل من دقيقتين نزلنا عنها إلى حافلة الحملة .. لو ذهبنا إليها مشياً لكان أحفظ لأعصابنا وأرحم من ملاحقة النّساء بعباءاتهن لتلك الحافلات.

#حاجّة_روسيّة

 وصلنا مقرّ الحملة بمنىً بأمان الله، دخلنا خيمتنا واستقبلتنا العاملات بحفاوة وتلطّفن معنا للغاية، لم أشعر أنّي في أيّام حجّ .. بل في مناسبة اجتماعيّة بسبب الأصوات العالية ودخولنا وقت وجبة العشاء، فالصواني ذاهبة غادية. حللنا إحرام العُمرة، ودخلنا في إحرام الحج يوم التروية، كان يوماً هادئاً إلّا من إزعاج خفيف عن يسارنا، كان معنا حاجّة روسيّة كنت أظنها سوريّة لأن من كانت تتحدّث معهن شاميّات. حمّلتني أمّي ذنب حجّها الذي سينقص لأني لن أعلّمها مناسك الحجّ الصحيحة بما أنّها تعتمد على كتابها ومرافقيها واختتمت قولها بـ ” متخرجة من الترجمة على إيش؟! ” .. تعرّفت عليها تحت الإلحاح، فعرفت أنّها من أوزباكستان ، وأنّها مسلمة أباً عن جد، وما بين لحظة وأخرى تطل عليّ أمي وتقول ” علّميها الصلاة”، “علميها التوحيد”، “علميها إن ذا حج”، ” علميها معنى قل هو الله أحد”، ” حفظيها سورة الفاتحة”. كنت أكتم الضّحكة حتّى انتهى لقاؤنا الأوّل ثم شرحت لأمي كل ما دار: ” حتى لو تبغينها تشرح لك العقيدة  شرحت لك P: ” . يوم عرفة جلسنا في خيام منفصلة، ما إن رأتني حتى قالت ” أين كنتِ؟! تمنيت لو كنتِ بجواري لتترجمي لي الخطبة”، علمت لاحقاً من رفيقتنا في مِنى أنّها كانت تبكي مع الحاجات اللاتي بكين من الخطبة رغم أنها لم تفهم منها أي كلمة. صديقتنا الأوزبكيّة ويعني اسمها الأمل، حدّثتني عن أملها في تعلم القرآن، كانت تحمل مصحفاً مفسّراً باللغة الأوزبكيّة وتقول: ” أنا لا أفهم اللغة العربية، وأعرف أن القرآن لا يُقرأ إلا بها، إلا أنّي أحاول، وأتمنى أن أأجر على قراءتي تفسيره.”، حدّثتني عن أملها بأن تتحدث العربية، وأن تدخل أبناءها تحفيظ القرآن وأن يكونوا من الدعاة في سبيل الله. عاشت في غربة دين سابقاً والآن في غربة أهل بحكم عيشها في السعودية، وما زالت بعض الأفكار الدينية  والاجتماعية المغلوطة في ذهنها، إلّا أنّها تحب الله والإسلام .. أحبّها الله وخلقه.

#قطار_المشاعر

وما أدراك ما قطار المشاعر! وما أدراك بموقف الحملة!

قالت لنا مشرفات الحملة بداية أن التحرك لعرفة (وذلك بالسير بداية إلى قطار المشاعر ليقلنا إليها) سيكون بعد شروق الشّمس، الساعة 7:10 تقريباً، وتقول أمي أنها سألتهن مرة أخرى وقلن بعد الفجر مباشرة. استعداداً لذلك، نمنا مبكراً جداً وتم توزيع أساور ركوب القطار، ومنا من استيقظ قبل الفجر بساعتين ومنا قبله بساعة. صلّينا الفجر، فقالوا لنا سنتحرك الساعة 6، بعد الانتظار قالوا الساعة 7:10، بعض الحجاج تحرّكوا قبل الحملة وبدونها فوصلوا مخيّم الحملة بعرفات مبكراً. سرنا مع المرشدين لمحطة القطار، كانت الأمور سلسلة في البداية حتّى وصلنا المحطّة، قبل درجها تحديداً، ازدحم بحجاج الحملات، وكنا تحت الشمس، معنا عجائز وعربيّات، بعد ربع ساعة تقريباً انضم لنا حجاج باكستان والهند، كان الجو حاراً جداً، ولم أرَ جنود للتنظيم ولا متطوعين، وظللنا واقفين حتّى الساعة 9:15 تقريباً، فجاء الجنود وانتشروا ونظّموا السّير ( هنا عربات، هنا سلم كهربائي – الذي كان مغلق – هنا درج ) وانتشر المتطوعين بالمياه الباردة ثم بتمزيق كراتينها لتوزيعها كـ ” مراوح” يدوية مجّانيّة! تنفسنا قليلاً لما صعدنا الدرج وتأملنا بالفرج، دخلت عدة مجموعات، وكنا وقوفاً قبلنا مجموعة وبعدنا مجموعة ( ممن كان واقف حتى بدأ التنظيم ). قال المتحدّث أن عددنا الآن 10.000 ، وستخلو المحطة منا جميعاً في غضون 30 دقيقة لأن القطار يحمل 3000 آلاف حاج كل 10 دقائق، وأعطانا وعداً بذلك. ظللنا واقفين تحت الشّمس، كان بعض الرجال يلبّي لئلا يذهب انتظارنا سدىً، بعضهم أخذ يدور ويوزع المراوح المجانية ويقول ” وزعوا على النساء، النساء ” وبعضهم فتح مظلته إما ظلل بها مجموعة نساء أو أخذ يحركها ليحرك الهواء فنتبرّد .. آخرين أجلسوا نساءهم وأمسكوا بأردية قماشية وأخذوا بتحريكها فوقهن. حصلت حالات إغماء لم أرَ منها إلا رجل عجوز، أما البقية فكنت أعرفها من ركض المُسعفين بالسرر النقالة. لا أخفيكم أنّه كلما انفتح باب المحطة الداخلي ( وهو أوّل باب يقابلك بعد الباب الخارجي تحت الشّمس، يؤدي بك إلى صالة داخلية، ثم بوابات تؤدي بك لصالة داخلية أخرى إذا انفتحت بواباتها تدخلك إلى بوابات القطار )، تتهلل الأسارير لأنّ هواءاً بارداً ينعشنا منه. كان الصوت الآلي منفرز جداً عندما يقول ” انتباه، سيصل إلى المحطار القطار رقم … وسوف لن يتوقف في المحطة”، كان يتكرر كثيراً .. حتى تساءلت بسخرية ” هم قاصدينها عشان يزيد أجر الحج والا إيه؟!” خلال انتظارنا اختفى مرشدو الحملة وكل ما نعرفه أننا سندخل القطار ليقلنا إلى عرفات. لا أخفيكم أن انتظارنا كان انتظاراً بشعاً، خرجنا بداية مع الحملة، وهاهي الآن اختفت ملامحها، واقفون تحت الشمس كلما مرّ القطار فززنا نخاف فواته، كنا موعودون بالوصول قبل الثامنة أصبحت الساعة 11:10 ولم نركب القطار حتّى! هل تقصد الحملة الثامنة مساءً؟! التفتت عليّ أمي وقالت: ” بيصير لنا ما صار بعمّتك الله يرحمها.” وقد فات عمتي هذه الحجّ لأن الحملة أخّرتهم في التفويج لعرفات حتى ما وصولها إلا بعد غروب الشّمس .. ويُذكر أنها بكت بُكاءاً حارّاً ولم يتيسّر لها  إتمام فريضتها حتّى قُبضت للباري. كنت أفكر في نفسي: ” هذا الحشر إلى مآل نعرفه، فكيف إذا صرنا في حشرٍ لا نعرف مآله؟”

 أتى الفرج، دخلنا القطار الساعة 11:10، ووصلنا محطة عرفات الساعة 11:20  تقريباً، المضحك المبكي أننا كنا نسأل الحملات الأخرى عن مكان حملتنا (في بطاقات الحملة يوجد وصف لمخيم الحملة في منى وعرفات، لكننا للأسف لا نفهم إلا وصف الرياض). نزلنا من المحطة ووجدنا المرشدين، أرسلوا معنا أحدهم، وقد كان المخيم أعلى تل! مشينا كل منا يحمل الآخر بكفّه وكتفه، وأبطأنا كانت أختي التي كنا ندفعها دفعاً، فلما وصلنا المخيم اكتشفنا أنّها أصيبت بضربة شمس! كنت أشعر بأن قلبي يكاد يخرج من فوة النّبض وشدّة التّعب بعد وقوف طويل ومشي طويل تحت الشّمس. كنا جوعى فذهبنا لبوفيه الفطور،وفي طريقنا كانت الطرقات فوضى! فصواني الفطور في كل مكان، ومتراكمة، فلما وصلنا طاولات الفطور لم نجدها بحالٍ أفضل! فبعض الطعام على بعضه، والطاولة متسخة وبقايا هنا وهناك حتى كيس النفايات مُهمل وما حوله قذر. وجّهتنا رئيسة العاملات بارك الله فيها للجلوس في خيمتهن حيث البراد والسّعة، فعلاً كانت براداً وسعة، صلينا سنة الضّحى، قرأنا ودعينا قليلاً حتى بدأ الشيخ المفتي بالخطبة التي لا أعلم ما قال فيها لأني نمت ونامت من قبلي أختي، صلينا الظهر وظللنا نقاوم النعاس لئلا يفوتنا فضل هذا اليوم. لم نكن، بطبيعة الحال، الوحيدين الذين عانوا من الانتظار والتعب، ولم نكن الوحيدين الذين توقعنا أن يكون حجنا تفرّغاً للعبادة. قيل لنا أنّ التحرك لمزدلفة، عن طريق القطار أيضاً بالرغم من أن جرح الصباح ما زال ينزف، سيكون الساعة السادسة بحيث نصلي المغرب والعشاء هناك. أتت الساعة السادسة، فقالوا الثامنة، اقتربت الثامنة فقالوا الثامنة والنصف، تعدّت الساعة الثامنة والنصف ولم نصل المغرب ولا العشاء وكلما عزمت بعض النساء على الصلاة قال محارمهن لا تصلين إلا في مزدلفة، فقالوا لنا أنّ النظام لم يسمح لهم بالتفويج حتى الآن .. وأمام أعيننا قد سارت الحافلات إلى مزدلفة، وأمام أعيننا كان القطار رائح غادي، وأمام أعيننا كنا نرى غروب الشّمس وقلوبنا متوجّسة من ألا نصل مزدلفة. الذي استغربته أنّه لم يكن معنا من يفتينا في أمر الصّلاة ولا ما علينا إن فاتنا الوصول إلى مزدلفة، فما صلّاها الرجال إلا الساعة 10:30 بعد الاتصال بالشيخ الشثري، أمّا عنّي فقد صليتها الساعة 8:45 .. بعض الأشياء بديهية، لا تنتظر أمراً أعلى لتقوم به، وقد عاتبتني حاجّة أني اتبعت هواي ولم أتّبع الحملة في الصّلاة، وأخرى شككت بقبول صلاتي لأنّي لم أصلّها في مزدلفة. بعض الحجاج أخذ نساءه وذهب بهن إلى مزدلفة، بعضهم بالقطار (لاحظ، لم يقل لهم مشرفو القطار تفويجكم لمزدلفة لا يجوز لأنه بلا مرشدي الحملة)، وبعضهم ركب حافلات قبلت به بمقابل مادي، ومن معه إلا امرأة ركب الدراجة الناريّة بقائدها. ما تحركنا من المخيم إلا بحدود الساعة 11:30، وبعدنا حملة الرويس أظن، لمّا وصلنا بوابة المحطة (تسير بعدها على درج طويل، منه إلى محطة القطار ذات البوابة الخارجية ثم داخلية أولى ثم داخلية ثانية) وجدنا حجاج واقفين على الدرج بانتظار أن تفرغ المحطة ليتمكنوا من الدخول! ظللنا واقفين ساعة كاملة، وسمعنا أصوات الرجال تجلجل ” دخلوا النساء على الأقل” فانفتحت البوابة ودخلت النساء بلا محارمهن فكونت النساء مع بعضهن مجموعات صغيرة لتصل معاً إلى مقر الحملة في مزدلفة، وأرسل مشرفو الحملة مرشدين لقيادة النساء، وفي النهاية قُدنا أنفسنا بأنفسنا وكنا نتبع ربّ عائلة كان يجمع حجاج الحملة حوله. كان المتحدث بردد ” يا موظفين تجملوا، ما بقي إلا القليل. الرجاء على الموظفين البقاء في أماكنهم حتى وصول موظفي الشفت التالي.” وقال لنا أحد المتطوعين أنّ عطل واحد يؤخر القطار ساعتين إلى ثلاث ساعات.

وصلنا إلى محطة مزدلفة، وسألنا الحملات الأخرى عن مرشدي حملتنا فوصلنا لهم ليدلونا على المخيم، مشينا بين المفترشين وتنقلنا من مرشد لآخر، وقد كان المرشدين قلة! حتى أن أحد الحجاج تطوع ليمسك بعلامة الحملة وينادي باسمها ليجمع الحجاج! كلما سألنا أحد المرشدين عن المكان قال: ” امشوا شوي شوي يسار” ، وتطول هذه الـ ” شوي” حتى وصلت 4 كيلو كما سمعت من إحدى الحاجّات. قل لي ” كمان قدّام” ولا تقل لي ” شوي” ! تجعلني أعلق أملاً ومعنا مريضة غيرنا معه عجائز وبعربيات، والظلام دامس وعلامات الحملة غامقة ولا شيء فيه نور سوى بالون وردي سخيف أعلى المخيم! فلما اقتربنا من المخيم بدأ الحجيج بالنفرة إلى منى، فتأخرنا أكثر حتى ما وصلنا المخيم إلا الساعة 2:18، وقد هانت في عيني فوضى عرفة لما رأيت فوضى مزدلفة، فالثلاجات بلا كهرباء وقوارير الماء والعصير “تطرطش” بسبب ثوبان الثلج، والوجبات لم توزّع، وتمّ الأمر بانقطاع المياه عن دوارتها! كلمنا المشرفة عن هذه الفوضى فقالت أنه حج ولابد من التعب، فردت والدتي بل أنتم من تسبب بهذا التعب، وقالت أنّ كل هذا بسبب خطّة النظام، آها .. صحيح .. الخطة هي المسؤولة عن تأخير الصلاة، وعن قذارة مخيمنا في عرفة، وعن ظلام مخيم مزدلفة، وإهمال المرشدين. بالمناسبة، هل الخطة أيضاً مسؤولة عن عدم مرافقة دعاة مشهورين يُرجع لهم فيما يمر من مسائل شرعية في الحملة؟

يا عزيزتي المشرفة، يوجد شيء اسمه ” قلّة دبرة ” وهي مصطلح نجدي يُطلق على من بيده كم هائل من الإمكانات إلا أنّه لا يصرّفها بحكمة، وهو المصطلح المناسب لما حصل في حملتكم. يا عزيزتي المشرفة، أحسن حسنتين تُسجّل للحملة اللجنة الثقافية وكميات الطعام الفائضة التي كانت تصرّف من كثرتها للمفترشين. يا عزيزتي المشرفة، حتى المارَّ من عند جال الحملة سيعرف حالها من أكوام القمامة المتراكمة. عزيزتي المشرفة، لم يبدُ لي أن غير معدة الحاج فعلاً مهم فالدكتورة المرافقة لا تتحمّل تبعات إعطاء أختي محلول رافع. عزيزتي المشرفة، شعرنا بالغبن لما سمعنا حلف بعض الحاجات ألا يحججن بعدما حصل في هذا الحج. أصلاً النظام هو المسؤول. المشكلة حتى النظام يقول الحجاج هم المسؤولين، طيب لحظة .. ليه ما نقفل الحج وخلاص من هذي الدوشة؟!

قرابة الساعة الثالثة والنصف فجراً لم ننتبه إلا والحاجات يتحركن للخروج، فلما سألنا قلنَ وقت التفويج لمنى، لحظة لكن لم نسمع أي نداء! اتصلنا بمحارمنا، البعض رد والآخر نائم، تصوّر أن إحدى الحاجات وقفت على باب مخيم الرجال تنادي ابنها من بين النائمين ولا تعرف مكانه! المفترض أن يكون هناك نداء عام مسموع وإيقاظ المشرفين للنائمين بدلاً من اكتشاف أوقات التحرك بالصدفة. مشينا الأربعة كيلوات مرة أخرى للمحطات، والحمد لله لم ننتظر طويلاً هذه المرة، فقط كان انتظار وصول القطار. ثم سرنا بعد النزول منه إلى منى لرمي جمرة العقبة الأولى، حتى هذه المرة دللنا أنفسنا بأنفسنا.

مرّت الأيام التالية بهدوء ولله الحمد، وكنا من المتأخرين، وذهبنا مباشرة للمطار، وكنا هناك مفترشين “حرفياً”، مفترشين رغم أننا أبناء البلد، مفترشين رغم أننا حجاج،  مفترشين رغم أننا… ويا قلب لا تحزن.

#تحديث1

  • لما وصلنا الرياض عرفنا أنّه من ضمن الأسباب الرسمية المعلنة لتعطل قطار المشاعر وتأخر الرحلات هو #نوى_التمر . بصراحة فاتني أن أنتبه لكراتين التمر التي كانت توزّع على الحجاج لأنّي كنت أبحث عن هواء نقي من بين الزحام.
  • مشرف حافلتنا التي انتقلنا بها من جدة لمكة ثم من مكة لمنى ثم من منى إلى مكة ثم إلى جدّة لم يقصّر معنا بارك الله فيه، لا متابعة ولا توجيه.
  • موقع الحملة قريب جداً من الجمرات، كنا نصلها في أقل من ساعة ذهاب وإياب.

#ديباجة

  • قد شاب حجنا بعض المرارة، إلا أنّ الرّوحانية لم تبرح المشاعر، ولله الحمد.
  • كنت أقول لرفيقة في الغرفة: “حجة سواليف لا حجة تعبّد”، فردّت ” صليت وقرأت وسبحت وذكرت الله، أبسولف عاد.” وقد ذُكر عن ابن عبّاس أنّه لا يتكلم بكلمة في غير الذكر حتى ينتهي من جمرة العقبة فلما سئُل قال: “أبغير ذلك يكون الحج؟!” . لا أمانع الحديث المباح، إلا أنّ الضحك العالي المسموع بين الممرات تجاوز المباح، وأطاح بلذّة التعبّد الخافت.
  • في آخر يوم استمعنا لقصيدة يا راحلين إلى منى بصوت عبد العزيز الأحمد، أبكت السّامعين .. وألهبت الشّوق للحج حتّى قبل انقضائه.
  • أحمد الله أنّ حج هذا العام ليس حج الفريضة، وإلا لاحتجت أن أحج مرّة أخرى حجةً تسمّى فعلاً حجّة الإسلام.
  • في حجنا الماضي، أذكر أنّنا كنّا نوقظ لصلاة الفجر بطريقة الأمهات؛ تقف المشرفة عند باب الخيمة وتصفّق ” يلّه الصلاة قومن لا تفوتكن، يلّه، والصاحي يقوم النّايم”.
  • دعوت لتلك الحجّية الأمّية في حجنا الماضي التي كانت تستيقظ في جوف الليل لتسمّع بلهجتها سورة البقرة وآل عمران .. جوف كل ليلة من ليالي منى.
  • كان هناك حاجات حريصات على معنى الحج، فاتّخذن أماكن منزوية .. انقطعن بمصاحفهن وسجاداتهن وتألّهن.
  • لفت نظري ثلاث فتيات حججن مع أمهن، كن يرتدين خلال الإحرام قمصاناً بتفصيل عادي جداً وبقماش الجدّات، وكانت شعورهن مجدولة عدة جدائل لتقصّ بالتساوي، كنت تشم منهن رائحة النظافة والترتيب وكن أنيقات رغم قدم هذه العادة في الحج، حتى لما حللن الإحرام ما زلن مرتبات بملابس محتشمة أنيقة.
  • عندما كنت أرمي الجمرات كنت أفكّر أنّه لو جرّدنا كل المناسك من معانيها لوجدنا أننا نرمي مجرّد حجر على حجر ونطوف حول حجر ونسعى بين حجر وحجر، إلا أنّ التعبّد والتوحيد هي ما يجعل لها معانيها ويجعل العمل بها مع الإيمان سبب لدخول جنّة أو ولوج نار. وتذكرت قول عمر رضي الله عنه لما كان يقبّل الحجر الأسود: ” والله إني أعلم أنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبّلتك” سبحانك يا رب ما أحكمك..
  • سبحان الله، حتى في مناسكك لا تكون ذليلاً إلا للذي شرّعها وعزيزاً خلال تأديتها، وتمر بذهني صور المتعبدين الهندوس الذين يغرقون أنفسهم في براميل مياه ويتضرعون  للآلهة أن تسقيهم في منظر تهريجي.
  • كنت أظن أنّ ” ومنافع للنّاس” معنى متعلق بالتجارة فقط، إلا أنّ عدة مواقف حصلت وسّعت لي هذا المعنى الذي نبهتنا له قريبة والدتي لمّا أخبرتها عن علاج لأمر تمر به، ولما سمعت امرأة تتحدث عن أخرى خطبت ابنتها، وعدة حاجات حفظن سورة الحج في حلقات ما بعد الفجر، وموقفنا مع أختنا الأوزبكيّة.
  • أحوال النّاس في تعاملهم مع الحج  وترخّصهم -وأنت منهم- تجعلك تفكّر في مقاصده، فيما بعد الحج، فيما قبل الحج، فيما لو لم يُكتب لك الحج أصلاً.
  • قالت لي أختنا الأوزبكيّة وقد كان يتحشرج صوتها أنّها قرأت في كتابها: “أنّ من أكرمه الله بالحضور إلى هذا المكان فذلك يعني أنّ الله يحبّه، أتمنى أن الله يحبنا، ويتقبل منّا.”
  • طعم الحج طعم واحد، أحججت مع حملة المبلغ الصالح أو مع حملة الرصيف الصالح، فالحج، كسائر العبادات، مداره القلب ونيّته.
  • وصّتنا حاجّة بأن ندعو: ” اللهم أعدنا لهذا المكان أعواماً عديدة وأزمنةً مديدة”.

#هامش

  • أسمينا الحملة في النهاية: ” عساكم أكلتوا؟! وبنضعيكم والقونا، واخدم نفسك بنفسك”
  • خالتي الأخرى كانت في حملة من نفس فئة حملتنا، إلا أنّهم وصولوا عرفات بالحافلات، ونفروا إلى مزدلفة بالحافلات، ووصلوا من ثم مِنى بالحافلات. أظن حملتهم فوق النظام.
  • قالت لنا إحدى الحاجات أنّ سبب مشكلة زحام القطار والتدافع هو السعوديين الذين لم يعتادوا على القطار ( : .
  • لابد عزيزتي الحاجة والمعتمرة أن تقرئي في كتب أحكام الحج للمرأة، خاصّة موضوعي تغيير الملابس والرمل في الطواف والسعي. فالحج منسكٌ لله، والمُباحات بابها واسع إلا أنّ لكل شيء وقته، ولا يجوز الالتفاف حول الأحكام، حتى تلك التي دينها رقيق انتقدت كم المكياج الموضوع قبل التلبية ثم بعد حل الإحرام.