بين انثناءتين | قصة قصيرة

.

.

انثنى ليلتقط أشياءه التي تطايرت من بين يديه لمّا لكزه علي الطالب المشاغب و هو يركض خارجَ معمل مادة الفنيّة

اقترب منه مرة أخرى لكن هذه المرة بهدوء ،
و ما إن كادت أن تمسك يدا محمد بعلبة الألوان حتى فاجأه بركلةٍ قوية لها تدفعها بعيداً ..

سار محمد عرجاً لمكان العلبة ، فاستوقفه علي قائلاً :

تقول والدتي أن الذي لا يطيع والدته يعاقبه الله مثلك !

. . .
الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، طرقات خفيفة و مرتجفة على باب غرفة النوم

تنهض الأم من السرير متوجسة ، فلما فتحت الباب إذا بـظلٍ طويلٍ جداً ، لجسمٍٍ نحيلٍ جدا ، تلمعُ عيناه دمعاً .

جثت على ركبتيها لتصل مستواه فبادرها قبل تتفوّه مستجمعاً شجاعة الرجال بنظره :

ماما .. أتحبينني ؟

طبعاً أحبك يا ابني ..

و ربي أيحبني ؟

إن شاء الله يحبك إذا ما صليت و أطعت والديك ..

هنا انهار الرجل الصغر باكياً في حضن الحنون :

( ماما و الله لأطيعك دايم.. داي .. دايما )

و بعد عدة شهقات ،

(ماما قولي .. قولي .. قولي لربي ما يعاقبني )ثم انخرط في موجة بكاءٍ أقوى صاحبها نشيج يُقَّطِع نياط القلب ..

. . .

في المرحلة المتوسطة اختار محمد أن يكون ضمن فريق كرة القدم ،
و في يوم اختبار اللياقة البدنية ، طلب معلم التربية البدنية من محمد ركل الكرة ،
و لمّا هم بركلها أتى صوتٌ عالي قاصداً الأستاذ :

أستاذ ! لو لَعِبَ هذا البطريق في الفريق فـ سأنسحب لأننا سنخسر بسببه !

كما فاجأ علي محمداً ، فاجاه الأستاذ :

اتركه إذن !

. . .

و في المرحلة الثانوية ذهب محمد و أهله للتسوق في سوقٍ متنقلٍ كبير ،
فلمّا رأه علي اقترب من احدى المتسوقات الكبيرات في السن
، و أسرَّ لها حديثاً ، و بعد برهة اقتربت من محمد و دسّت خمسين ريالاً في يده قائلة :

شفاك الله و أعزَّك عن سؤال النّاس ..

فابتعدت عنه بسرعة ، لم يستطع محمد تدارك الموقف فقد هاله تصرّف هذه المرأة و قصدها جرّاء ذلك !
و قبل إفاقته من ذهوله ربَت عليٌ على كتفه و قال :

ما رأيك أن نبدأ شراكة تجارية ؟ أنتَ ببدنك و أنا بكلامي ..

ثم قبّله ضاحكاً كناية عن تمكّنه منه ..

. . .

انتهت الرحلة الثانوية بمجموعٍ عال لمحمد يؤهله لدخول كلية الطب ،
و لكنه صدم الجميع بأن اختار قسم التربية الخاصّة ، فعلّق علي في جلسةٍ ودية جمعت أصدقاء الدراسة :

( هذا كفوك يا المعاق ! )

. . .

بعد سنين .. عمل محمد مدرساً لطلاب التربية الخاصّة في نفس مدرسته الابتدائية ،
و في يوم مباشرته عمله و قريباً من معمل الفنية

لكزَ أحدُ الطلّاب طالباً معاق إعاقة جسدية فانتثرت أشياؤه معيدة المشهد ذاته الذي تعرّض له محمد من علي ،
فانثنى محمد ليساعد طالبه الجديد في انتشال كرامته مع أشيائه ،
فلمّا مدَّ يده بعلبةِ الألوان للطفل لمح بطاقة اسمه عليها ( محمد علي العلي ) فاحتضنه مخنوقاً بعبرته ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s